تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن لا حرب ولا خصام، وأن حياة الإنسان نفسها ضرب من ضروب القوانين الطبيعية، وأن هناك التئاما بين القوانين الطبيعية والإنسان، وأن هناك «وحدة في الوجود» لا أثينية في القانون، وأن الإنسان لا يحارب الطبيعة، ولكن يندمج فيها ويعيش في وفاق معها، وكلما رقي، فهم أسرارها وقوانينها، وإذا فهمها لم يعدلها، ولكنه يعدل نفسه ليوافقها، وليكون هو وهي نغمات متجانسة لا نشوز فيها، وأن النزاع والخصومة بين الإنسان وقوانين الطبيعة سببه الجهل بها، فيكون شأنه كالطفل يلعب بالنار، والغر يتجرع السم يظنه سكرا، والمثل الأعلى للإنسان إنسان عرف كل قوانين نفسه ووفق بينهما؛ كالإناء يوفق بينه وبين غطائه، والسيف يختار له ما يوافق من غمده؛ وإذن فلا جبر ولا اختيار ولا خصومة ولا نزاع، ولكن أين هو ذلك الإنسان؟

الفصل الثاني والثلاثون

| متاعب الحياة (1)1

الحق أن هناك صنفين من المتاعب: متاعب حقيقية، ومتاعب وهمية، وربما كانت الأخيرة أكثر من الأولى؛ فمن كان فقيرا لا يجد ما يسد رمقه ورمق أسرته، فهذا مصدر تعب حقيقي، ومن رزقت بزوج غير صالح فتعبها منه تعب حقيقي، ولكن هذا وأمثاله قليل بجانب المتاعب الوهمية التي يخلقها الإنسان خلقا، والتي تعود إلى حالة مرضية في نفسه، أكثر مما تعود إلى سبب خارجي متعب حقا.

ولنستعرض الآن نماذج من الناس يتعبون متاعب جمة، ومصدر تعبهم هم أنفسهم، وكان في إمكانهم أن لا يتعبوا إذا غيروا نفسيتهم، وأصلحوا من نظرتهم إلى الحياة.

هنالك الرجل الذي لا يعمل عملا إلا وأغضب من حوله، فإذا وظف أتعب زملاءه بما يجرحهم من كلام، أو ما يصدر عنه من تصرف، وإذا ساق سيارة لم يبال بما يصنع في الطريق، وإذا أشرف على أسرة لم يعبأ بزوجته ولا ولده، وإذا تصرف أي تصرف في الحياة، استطاع بقدرته العجيبة أن يحول تصرفه إلى معركة مهما كان نوع العمل بسيطا.

وهناك المرأة التي تخلق من كل شيء سببا للنزاع؛ حول ما تشتري، وحول ما تلبس، وحول ما تسكن، ولا يعجبها أي تصرف من تصرفات زوجها، ولا يعجبها أي عمل من أعمال أولادها، فهي ناقمة أبدا، ساخطة أبدا، متعبة لنفسها ولأسرتها أبدا.

وهناك الرجل الذي حطم أعصابه بسلوكه، وتوقع الفشل في كل شيء سيحدث؛ فهو إذا تزوج اعتقد أنه سيفشل في الزواج، وإذا رزق أولادا توقع أنهم لا ينجحون في مدارسهم، وإذا سار في الطريق توقع أنه ستصدمه سيارة أو ترام، وإذا عهد إليه عمل توقع أنه لن ينجح فيه، وهكذا؛ فنظرته إلى الدنيا نظرة تشاؤم مستمر، وهذه النظرة كفيلة بأن تنغص عليه وعلى من حوله معيشتهم.

وهناك العيابون والظنانون الذين لا يعجبهم العجب، فلا أسرتهم تعجبهم، ولا حكومتهم تعجبهم، ولا الجرائد إذا قرأوها، ولا المجلات إذا تصفحوها، ولا التعليم إذا عرضت عليهم أساليبه، ولا أي نظام في بلدهم يعجبهم، ثم هم يعيبون ولا يقترحون، ويهدمون ولا يبنون، فاسود العالم أمامهم، وسودوه من حولهم.

هذه بعض أمثلة من متاعب الحياة الوهمية التي أوجدها الإنسان بنفسه، وخلقها بأوهامه أو أعصابه أو تشاؤمه، ثم رمى نفسه فيها وتعب منها وأتعب من حوله بها، والعالم مملوء بهذه المتاعب الوهمية التي ليس لها علاج خارجي، وإنما علاجها ليس إلا في إصلاح النفس ونظرتها إلى الحياة.

والناس في هذه المتاعب الوهمية كلابس المنظار، فمن لبس منظارا أسود رأى الدنيا كلها سوداء، ومن لبس منظارا أبيض رأى الدنيا كلها بيضاء.

وفي استطاعة الإنسان إذا ربى نفسه تربية صحيحة أن يتغلب على المتاعب الوهمية، بل وكثير من المتاعب الحقيقية؛ نعم، إن هناك متاعب خارجة عن إرادته؛ كمتاعب الغارات الجوية، وكوارث الحرب، وبعض ما أنتجته المدنية الحديثة من شرور، ولكن هذه نادرة الحصول في الحياة العامة للإنسان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٣٣