ثم هو يخضع خضوعا تاما لقوانين الحياة، كما يخضع كل جسم حي من نبات وحيوان؛ فبناؤه العضوي يخضع لقوانين الجسم ذي الأعضاء، من توزع الوظائف على الأعضاء، والتعاون بينها، ونموها من داخلها، ونموها من جنسها، فبذرة الورد تنمو لتكون شجرة ورد، والطفل ينمو ليكون رجلا، والجرو ينمو ليكون كلبا، وهو يخضع ككل الأحياء لقوانين النشوء والارتقاء؛ يخضع لهذه القوانين كلها كفرد وكمجموع.
بل إن عقله يخضع للقوانين خضوع جسمه وأعضائه، فتكوين المخ والأعصاب يجعل أكثر أعمال الإنسان من شعور وغريزة تأتي عن طبيعته، وتأتي ميكانيكية كأعمال الحيوان، والعقل في كثير من شئون الحياة ليس إلا خادما مطيعا للمشاعر والغرائز، وكثير من العادات التي نظنها اختيارية ليست إلا نتيجة طبيعية لحالة المخ والأعصاب والبيئة، بل الذكاء والغباوة ونوع التفكير ونظامه راجع إلى ما منحه الإنسان طبيعيا من مجموع عصبي، وما أحاط به من ظروف. •••
وبجانب هذا القانون الأساسي: «الخضوع لقوانين الطبيعة»، هناك قانون آخر يعارض الأول ويعاكسه، وهو قانون تعديل الإنسان للبيئة واستخدامها في منفعته؛ فالإنسان منذ وجد على ظهر الأرض يحاول أن يخضع قوانين الطبيعة لأمره، وبدأ ذلك بمحاولات قليلة ضعيفة كان يفشل في أكثرها، ولكنه تعلم من الفشل كما تعلم من النجاح؛ فكان يمتحن سر فشله ويعيد التجارب حتى ينجح، وكلما تقدم به الزمن زاد نجاحه وقوي أمله، وسيكون من بعدنا أكثر إخضاعا لقوانين الطبيعة وتعديلها منا، حتى كان من أهم مقاييس رقي الأمم وانحطاطها مقدار معرفة استخدامها لقوانين الطبيعة وتحويلها إلى مصلحتها، وما الزراعة والتجارة والصناعة في جميع أشكالها إلا محاربة لقوانين الطبيعة، أو على الأصح تعديل لها، أو بعبارة أدق: تحويل لها في خدمة الإنسان.
على هذا الأساس، وبهذه الفكرة، اتخذ له مسكنا يحتمي فيه من قوانين الطبيعة وربى الحيوانات، وعالج المأكولات، واتخذ الملبوسات، وخالف بينها صيفا وشتاء؛ لقد ضايقته قوانين الماء في البحر فاتخذ السفن يخضع بها البحر لسلطانه، وعرف قوانين الجذب فاستخدمها في مصلحته، وما المستكشفات والمخترعات وجميع صنوف المدنية إلا تحقيق لغرض واحد، هو استخدام قوانين الطبيعة لخدمة الإنسان، بل ليست الوسائل المعنوية من تربية وتهذيب وإصلاح اجتماعي ودين، إلا لتحقيق هذا الغرض، بل ليست قيمة الوسائل الفنية من أدب وموسيقى وحفر وتصوير إلا أن تزيدنا حياة وتمنحنا قوة نستعين بها على مقاومة قوانين الطبيعة والتغلب عليها.
ومقياس التربية الصحيحة والإصلاح الصحيح والدين الصحيح والفن الصحيح، هو مقدار ما فيها من قوة تجعل الإنسان أصلح لمواجهة قوانين الطبيعة، وليس عمل الأطباء ولا الصيدلة بجميع ما فيها من عقاقير إلا ضربا من ضروب محاربة قوانين للطبيعة، وكلما تقدم الطب كان معنى ذلك أن الأطباء استكشفوا القوانين الطبيعية للأمراض، وأخضعوها لمصلحة الإنسان؛ وليست التعاليم الأخلاقية ولا علم النفس إلا من هذا القبيل؛ كلاهما يعالج النفس كما يعالج الطبيب الجسم، وكلاهما يكتشف القوانين الطبيعية ويحاول إخضاعها. •••
بين هذين القانونين - قانون الخضوع لقوانين الطبيعة وقانون تعديلها - سر الحياة، وبينهما حيرة العلماء، وبينهما اختلاف أنظار الفلاسفة؛ لقد نظر قوم إلى الحياة من جانب القانون الأول وحده فقالوا بالجبر، وأن الإنسان كالريشة في الهواء، وقالوا بالقضاء والقدر، ونظر قوم إلى القانون الثاني وحده فقالوا بحرية الإرادة، وقالوا بسلطة الإنسان، وأنكروا الحظ وأنكروا القضاء والقدر، وتفلسف قوم فنظروا إلى القانونين معا، وقالوا إن الطبيعة التي تخضع بقوانينها الإنسان قد منحت الإنسان نفسه قدرة على محاربتها والوقوف أمامها لمقاومتها.