كم من الناس لا عمل لهم في الحياة؟
فكم من النساء لا عمل لهن في البيت ولا خارج البيت؟ وكم من المتعطلين الذين يتسكعون في الشوارع أو يقضون أوقاتهم في المقاهي والأندية؟
وكم من المتخاصمين الذين يقضون سنين في المحاكم في نزاع وخصام، ولو حكم العقل لانفض النزاع في ساعة.
إلى جانب ذلك، كم من ملايين الفلاحين يعملون في الأرض بوسائل الزراعة القديمة، ولو استخدمت الآلات الحديثة لعملت في يوم ما يعمله الفلاح في أسابيع؟
وكم من الصناع يشتغلون في الصناعات اليدوية، والآلات الحديثة تنهج أضعاف ما يعملون بأيديهم، ولو استخدمت هذه الآلات لانتفعنا بهؤلاء الفلاحين وهؤلاء العمال وهؤلاء الصناع في أعمال أخرى؟
فهذه أيضا كلها قوى ضائعة.
ومن القوى الضائعة في الأمة المنافسات الحزبية حول الأمور التافهة، والمهاترات السياسية بدون جدوى، وما يتبع ذلك من خطب واجتماعات وملء فراغ في الصحف، وإفساد لعقول الشبان وسوء توجيههم، وصرفهم عن النزعة القومية النبيلة إلى النزعة الحزبية الضيقة، فكل ما يبذل في هذا الباب قوى ضائعة.
ومن القوى الضائعة المجالس واللجان تثار فيها المسائل، فيطول الجدل العقيم حولها، ويكثر الكلام فيها، وتستغرق مناقشاتها الساعات والأيام والشهور والسنين، وكان يكفي المنطق الصحيح والعقل السليم للبت فيها بسرعة، لولا ما يحيط بها من حب للكلام، وتظاهر بالفصاحة، ولعب المصالح الشخصية الخفية في توجيه المناقشة والجدل واصطناع الحجج.
هذه بعض مظاهر القوى الضائعة في الأمة، وما أكثرها! والناظر إليها يأخذه الرعب من كثرة ما يرى من القوى مع قلة الإنتاج؛ لضياع أكثرها، فمثل الأمة في هذا الموقف مثل سيارة تستنزف كثيرا من (صفائح البنزين) لتسير بضع خطوات، أو كوابور مياه يحرق مقدارا كبيرا من البترول لاستخراج حفنة من الماء!
حتى لو قلنا إن تسعة وتسعين في المئة من قوى الأمة ضائعة أو مهملة من مثل الذي ذكرنا وأشباهه، وإنها تعيش على واحد في المئة فقط، لم نكن مبالغين ولا مجافين للحق.
الفصل الحادي والثلاثون
| امتحان الحياة
إذا امتحنا الحياة الإنسانية - سواء كانت حياة فرد أم حياة مجموع - وجدناها تخضع لقانونين أساسيين:
أولهما: أن الإنسان يمثل الرواية التي تمثلها كل الكائنات: كينونة، ثم نمو ونضج، ثم تدهور وفناء، مثله في ذلك مثل كل أنواع النبات والحيوان والجماد والنجوم والكواكب.
وهو خاضع كل الخضوع للبيئة التي تحكمه وتحكم قوته، وتحدد قدرته على المقاومة؛ ولا سيما بيئته الطبيعية من جو وإقليم وما إليهما.
وقد بدأت الحياة في أرضنا متحدة متشابهة، ثم أخذت تتنوع في شكلها وحجمها وعقليتها حسب هذه البيئة، إلى أن وصلت في تنوعها إلى الإنسان، والإنسان نفسه أخذ يتنوع إلى أسود وأبيض وأصفر، وإلى بدوي ومتحضر، وإلى راق ومنحط، تبعا لكل ما يحيط به من بيئة، وكلما تقدم الزمان زاد التنوع، وكثر التحول، حتى تصير الأرض إلى غايتها في النمو والنضج، ثم تتدهور وتأخذ في البرود شيئا فشيئا فيعتري سكانها الفناء، ويأتي الفناء أولا لأرقى الأصناف؛ للطفها ورقة حالها، ثم لما هو دونها، إلى أن يأتي على آخرها رقيا.
هذه هي الطبيعة، وهذه هي الحياة؛ فالشتاء لا محالة يتبع الصيف، والهرم يتبع الشباب، والفساد يلحق الكون، وليس موجودا على ظهر الأرض اليوم أحد ممن كانوا قبل مئة وخمسين سنة على أكثر تقدير؛ خضوعا لقانون الفناء.
يخضع جسم الإنسان لقوانين الطبيعة كما يخضع الحجر، فهو خاضع لقوانين المادة والقوة خضوع الحجر لقوانين المادة والقوة، وبفعل الحر والبرد وكل أحداث الجو فيه فعلها في الحجر، وكل ما هناك من فرق أن قوانين جسم الإنسان معقدة أكثر من تعقد الحجر، لكثرة تركبه.
والجمعية البشرية خاضعة لقوانين الطبيعة ككل شيء، حتى ليمكن إرجاع كثير من المعاني إلى هذه القوانين، فاختلاف الأمم في العادات والتقاليد، واختلافهم في الغنى والفقر، وفي الخمول والنشاط، واختلافهم في الزراعة والصناعة والتجارة، واختلافهم في الآداب والفنون، واختلافهم في العقلية، بل واختلافهم في أنواع الحكومات التي تحكمهم، كل هذا يرجع - إلى درجة كبيرة - لحالة الإقليم الطبيعية التي تسيطر على الإنسان وتحكمه حكما لا مناص له منه.