تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الأخلاق السياسية، فنظرت إلى الأخلاق نظرها إلى «القانون»؛ فكما أن لكل أمة قانونها، فكذلك لكل أمة أخلاقها، فمحور الأخلاق السياسية خدمة الأمة التي يعمل لها الساسة، بقطع النظر عن غيرها من الأمم؛ فإذا كان هناك عمل ينفع الأمة ويضر سائر الأمم، فالأخلاق العامة تنهى عنه وتحذر منه، وتجعله شرا ورذيلة، على حين أن ساسة هذه الأمة يرون الإتيان به فضيلة ونبلا، وإن تضررت منه كل الأمم!

وقد عبر القرآن عن ذلك بحكايته عن قوم من اليهود كانوا يرون أن الأمانة إنما تجب على اليهودي لليهودي لا لغيره من العرب ويقولون:

ليس علينا في الأميين سبيل .

وقد كان اليونان في أيام سلطانهم، والرومان في سطوتهم، ينظرون هذا النظر الضيق في تقويم الأخلاق؛ فالأخلاق تجب على اليوناني لليوناني لا لغيره، والناس ينقسمون إلى قسمين: يونان ومتوحشين، والفضيلة إنما وضعت عند معاملة اليوناني لمثله، إذا عامل اليوناني غيره فليس هناك فضيلة واجبة، وهكذا كان الشأن عند الرومان، ولعل اضطهاد الرومان النصرانية كان من أسبابه الكبرى ما أتت به النصرانية من نظرة أخلاقية عالمية، على عكس ما أتت به روح الدولة الرومانية، ولعل من أسباب اضطهاد اليونان لسقراط أيضا والحكم بموته، تعاليمه الفلسفية العامة، مقاوما بذلك تعاليم اليونان الخاصة كما قال الأستاذ «مكدوجل».

ولكن على الرغم من تعاليم الإسلام والنصرانية، وعلى الرغم من تعاليم فلاسفة الأخلاق، فالذي يسود أوربا الآن هو الأخلاق السياسية القومية، لا الأخلاق الدينية والفلسفية العامة؛ فالإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني يقوم الأعمال من ناحية أمته لا من ناحية الإنسانية عامة، فإذا عقدت معاهدة لم ينظر السياسيون إلا إلى أمتهم، هل تنتفع بهذه المعاهدة فيمضوها أو لا تنتفع فيرفضوها، والأمة المقترحة والأمة المشتركة في التوقيع لا تنظر في ذلك إلا إلى نفسها، وقل أن تنظر في ذلك إلى ناحية عالمية أو ناحية إنسانية!

وعند إعلان الحرب أو عقد الصلح لا تنظر كل أمة إلا هذا النظر؛ والسبب في هذا أن مفهوم العدل عند هؤلاء الساسة مفهوم ضيق، ومثلهم مثل شيخ القبيلة الذي سئل عن معنى العدل فقال: «إذا أغرت على قبيلة أخرى واستلبت إبلها فهذا عدل، أما إن أغارت علي واستلبت إبلي فهذا ظلم»، فالعدل والظلم دائران حول المصلحة الذاتية، أو بعبارة أدق: حول المصلحة القبلية أو القومية، لا حول المصلحة العامة، وربما كان الداعي إلى هذا تغلب الروح الوطنية على الأمم، وإخضاع الأخلاق لحكمها، وأن الحكم بأن هذا الشيء في مصلحة الإنسانية أو في ضررها حكم أكثر تعقدا من الحكم بأن هذا الشيء في مصلحة الأمة، فعقول الناس إلى اليوم لم تقو على هذا السمو الذي تحكم فيه المصلحة الإنسانية فتقبل العمل أو ترفضه.

ولذلك نرى أن في كل أمة أفرادا فلاسفة - يختلفون قلة وكثرة - ينتقدون هذه الأنظار الضيقة في تقويم الأعمال، ويدعون إلى النظرات الواسعة، ولكنهم - مع الأسف - ليسوا القابضين على زمام الأمور، ولا هم المتصرفين في شئون الدول، فقلما تجد دعوتهم سميعا، والسبب في تفوق رأي الساسة على رأي الفلاسفة أن الساسة لا الفلاسفة هم ظل الرأي العام ولسانه الناطق، والفلاسفة يحتاجون إلى زمن طويل حتى تتقطر آراؤهم إلى الشعب، والرأي العام - كما لاحظ بعض الفلاسفة - أكثر أنانية وكبرا وتعصبا من الفرد.

ومن أهم شرور هذه الأخلاق السياسية - بالمعنى الذي شرحنا - ما تستلزمه من نفاق؛ وذلك أن هذا النوع من الأخلاق مؤسس - كما ذكرنا - على الشعور القومي الوطني، والأمم مهما خلت من شعورها الوطني لا يمكن أن تنسى عقلها ولا دينها ولا إنسانيتها؛ فقدر كبير من النفاق لا بد منه للساسة ليوائموا بين الشعور والفكر وبين الوطنية والإنسانية، وبين حكم العواطف وحكم العقل، وأشد أوقات الحاجة إلى ذلك النفاق الأزمات وأوقات الحروب؛ لأن الأمم في مثل هذه الأوقات تغلي مشاعرها الوطنية، وتهتاج عواطفها حفظا على كيانها، والساسة مضطرون إلى إيقاد هذا الشعور حتى تتقدم الأمة بما يجب من تضحية، ولكن في مثل هذه المواقف يستيقظ العقل أيضا فيكثر التساؤل: ما فائدة هذه الحروب للإنسانية، وماذا يكسب العالم، وماذا يخسر منها؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢٨