ما هي النتيجة لو حسب ما يستغله الفاتحون من أموال المفتوحين، وماذا يكلفهم ذلك من نفقات الجيوش والأسلحة في السلم والحرب، وما يكلفهم من ضحايا في الأنفس بجانب الضحايا في المال، فضلا عن الحزازات النفسية الدائمة؟ الاستعمار لهذا الغرض - والنتيجة لا محالة أن الأضرار أكبر من المنافع - أم الاستعمار للحصول على المواد الخام من الأمم المفتوحة؟ فهل حسب حساب الفروق بين احتكار المواد الخام، وجعلها عرضا مشاعا للجميع فيشتريه كل من قدر عليه، وما يسببه الحل الأول من حرب، وما يسببه الحل الثاني من سلم؟ وهل بحثت العلاقة بين الاستعمار وسعادة الأمم فرئي أن سعادة الأمة بقدر ما تستعمر؟
الحق أن هذه المسائل وأمثالها كلها تبحث في «المعامل» كما بحثت المسائل المادية، وإنما فعلها الأولون لبقايا وحشية فيهم، وفعلها الآخرون عبادة للصنم القديم. •••
وقل هذا في النظم الاقتصادية، فهي لمنفعة الأقوى لا منفعة الأحق، وهي تساعد السلاب النهاب على السلب والنهب، أكثر مما تساعد المستقيم العفيف على نيل حقه.
وإنما يمنع من تغييرها مع ظهور خطئها أنها صنم قديم يعبد، وليس من يشجع على تكسير الأصنام.
ومن عجيب الأمر أن عباد الأصنام القديمة أسعد بالا وأكثر اطمئنانا، ويصفق لهم ويرحب بهم من يشقى بنظامهم، فإذا دعا داع إلى كسر الصنم، ووزن الأمور بميزان العقل، ووضع المسائل في «المعمل» تحت التجربة والاختبار، فهو المغفل، وهو الخائن، وهو الذي يرجم بالحجارة، ومما يزيد الأمر سوءا، أن زمام العالم في يد حفنة من الناس تسيرهم النزعات القديمة وعبادة القديم؛ إما عن اعتقاد منهم أو لضغط البيئة عليهم، ودعاة «المعمل» والاختبار لا شيء في أيديهم، ودعاة الأصنام القديمة كل شيء في أيديهم.
ألا تستطيع كل الأهوال التي لقيها الإنسان في هذه الحرب - وما كان أقساها! - وما يجد الآن من وفوضى وقلق واضطراب وفزع، أن تكشف الغطاء عن بصره، فيرى أنه كان مفتونا بعبادة أصنام لا تضر ولا تنفع، وأن عبادتها سبب كل ما هو فيه من شقاء، فينتقم منها ويحطمها، ويرى أن الحق وحده - لا القديم - أولى بالعبادة؟!
هذا هو الأمل الوحيد، وإلا فويل للإنسان!
الفصل التاسع والعشرون
| الأخلاق السياسية
سيطرتها اليوم وأثرها في حياة الشعوب
يخطئ من يظن أن الأخلاق السائدة في العالم اليوم هي الأخلاق التي وردت بها الأديان وقررها في كتبهم فلاسفة الأخلاق.
إنما السائد الآن نوع من الأخلاق يصح أن نسميه «أخلاقا سياسية».
وأهم فرق بين الأخلاق التي أتت بها الأديان وتعاليم الفلاسفة، وبين الأخلاق السياسية التي نتخلق بها اليوم، أن الأولى مؤسسة كلها على اشتراك الناس في الحقوق والواجبات على حد سواء، فإذا أمرت بالعدل طالبت به الناس كلهم، لا فرق بين أسودهم وأبيضهم، ولا فرق بين أفريقي وأسيوي وأوربي، ولا فرق بين أن يعامل الإنسان فردا من أمته أو فردا من أمة أخرى.
أما الأخلاق السياسية، فمحورها وأساسها نفع الأمة التي ينتسب إليها الفرد، وبعبارة أخرى: إن الأخلاق الدينية والفلسفية جعلت غايتها عالمية؛ فهي ترمي إلى حسن علاقة الناس جميعا بعضهم مع بعض، من غير نظر إلى جنس ولا إلى لون ولا إلى وطن، وتضع تعاليمها على هذا الأساس، وتجعل مثلها الأعلى أن يسلك الناس السبيل التي يرقي مجتمعهم «ككل»؛ فهي تنظر إلى العالم كعالم لا باعتبار أنه مكون من عدة أمم، وتنظر في تعاليمها إلى الناس كمجموعة واحدة، تنظم علاقاتهم، وتصلح من شئونهم، وتضع المبادئ العامة التي توصل إلى خيرهم؛ مثل المبدأ الإسلامي: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به»، ومثل مبدأ (كانت): «اعمل فقط ما يصح أن يعمله كل الناس»، ومثل مبدأ مذهب المنفعة القائل: «إن العمل خير إذا سبب من اللذة أكثر من الألم لكل مخلوق»، وهكذا.