وليس يمكن التوفيق بين هذه المشاعر اليقظى والعقول الصاحية إلا بضروب كثيرة من الخداع والنفاق، فتدعى الدواعي العريضة - عند ذاك - في أن الحرب لخير الإنسانية، ولنشر المدنية، ولمحاربة الهمجية، ولإذاعة الثقافة، ولتمدين الشعوب البربرية، ونحو ذلك، والغرض من هذا كله محاولة إقناع مشاعر الشعوب وعقولهم معا، وأحيانا تستغل العاطفة الدينية أيضا من هذه الناحية، فيدعى أن الحرب لنشر الدين الصحيح في العالم وهكذا، والناظر في الأدب الذي تنتجه الحروب يرى مصداق هذا في وضوح وجلاء، والتاريخ السياسي للأمم المختلفة مملوء بالدعاوى من هذا القبيل.
والمتفائلون من الفلاسفة وعلماء الأخلاق والاجتماع يرون أن العالم سائر من هذه الأخلاق السياسية التي أساسها الوطنية، إلى الأخلاق العامة التي أساسها الإنسانية، ولكن يقلل من تفاؤلهم ما يرون من أنه كلما سنحت فرصة للقرب من هذه الغاية استطاع رجال السياسة أن يحولوها لخدمة الوطنية لا الإنسانية، كما فعلوا في «عصبة الأمم»؛ فقد كانت أسسها التي رمى إليها واضعوها إنسانية بحتة، فما زال الساسة بها يعدلونها ويحورونها حتى سلبوا روحها، وقلبوا وضعها، وجعلوها حزبية لا عالمية!
وكان المتفائلون من هؤلاء الفلاسفة يرون، قبل الحرب العظمى، أن المبادئ والأفكار العامة التي انتشرت بين الناس تبعد احتمال وقوع حرب كهذه، فلما وقعت على حال أسوأ مما تخيلوا، شعروا بخيبة الأمل وبعد الرجاء، ولكنهم مع هذا كله لم يفقدوا أملهم، ولم يعدلوا عن نظريتهم، ورأوا أن هذا هو الطريق الطبيعي للإنسان، وأن ما قطعه في الماضي يدل على اتجاهه في المستقبل ، فهو من حين إلى حين يتسع أفقه؛ فقد كان لا يرى إلا نفسه، ثم صار لا يرى إلا قبيلته، ثم صار لا يرى إلا أمته، فسيأتي عليه زمن يرى عالمه، ويقوم الأخلاق تقويما عالميا لا تقويما قوميا، كما تتطلب الفلسفة والأديان.
ومشكلة المشاكل في هذا الصراع من الناحية السياسية والأخلاقية أن الأخلاق القومية والنزعة الوطنية أفادت العالم فوائد لا تنكر، فهذا التسابق إلى المجد بين الأمم، وهذا التناحر المستمر، والصراع الدائم، وحب الغلبة، كان له أكبر الفضل في المخترعات التي اخترعت، وفي النظريات العلمية التي استكشفت، وفي جميع التحسينات التي أدخلت على الشئون الاقتصادية والاجتماعية إلى غير ذلك؛ فهذه كلها إنما تقدمت هذا التقدم السريع بفضل العداء لا بفضل المسالمة، وبفضل التعصب القومي والتحزب الوطني، فلو أننا أحللنا مكان هذه النزعة نزعة إنسانية عامة، وأسسنا الأخلاق على أسس عالمية، وطالبنا الساسة أن ينظروا في قراراتهم ومعاهداتهم وجميع شئونهم إلى الناحية الإنسانية الصرفة، فهل يظل العالم في تقدمه السريع ونجاحه المستمر أو تقل الحماسة وتفتر الهمم؟
والحق أنها مشكلة كبيرة، وهي وإن كانت صعبة الحل فليست مستعصيته، وكل ما في الأمر أنها تحتاج إلى مجهود عالمي جبار يصرف في وضع التربية على أسس جديدة يكون محورها الإنسانية لا الوطنية، والعالمية لا القومية، وتكون غايتها تعويد الفرد أن يتحمس للأخلاق العامة، وأن يقيس الخير والشر بمقياس النفع للإنسانيته لا لأمته، وأن يغار على الخير للناس أكثر مما يغار على الخير لأمته، وأن يقدم في ثبات على فعل ما يضر أمته إذا كان فيه نفع للإنسانية؛ على أن الناس إذا بلغوا منزلة عالية سامية زال كثير من التعارض، ورأوا أن الخير لأشخاصهم والخير لأمتهم والخير للإنسانية شيء واحد، وأن التعارض إنما ينشأ من ضيق الأفق وقصر النظر.
الفصل الثلاثون
| القوى الضائعة في الأمة
إذا نحن نظرنا إلى ماكينة من الماكينات وجدنا أنها إنما تكون صالحة وفي حالة جيدة إذا أدت الغرض منها كاملا في الزمن المعقول، وبنفقات معقولة؛ فالسيارة - مثلا - إنما تكون في حالة جيدة إذا قطعت المسافات المقررة لها بمقدار من البنزين يناسب سرعتها، ويناسب حجمها، ونحو ذلك، فإذا أنفقت بنزينا كثيرا في مسافة قصيرة دل ذلك على فسادها، وأن قوتها لم تؤد واجبها.