تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل رأيت القطيع من الغنم يسير أمامه حمار يهديه ويرشده، فإن سار الحمار يمينا سار القطيع يمينا، أو يسارا فيسارا، وإن قفز عقبة قفز كل القطيع وراءه، واحدة بعد أخرى؟

في الإنسان شبه كبير من هذا المنظر، فهو في أغلب أعماله لا يعمل العمل أو يتجنبه لأنه وزن منافعه ومضاره وحسب نتائجه، ولكن لأن من قبله من الناس عملوه أو تركوه، والجيل اللاحق يتبع الجيل السابق بالتقليد؛ كقطيع الغنم في سيره وفي قفزه. •••

ماذا نأكل وماذا لا نأكل، وماذا نشرب وماذا لا نشرب، وكيف نأكل ونشرب، وماذا نلبس وكيف نلبس، وكيف نحترم وكيف نحتقر، وكيف نبدأ التحية وكيف نردها، وما الأعداد التي نتشاءم منها والتي نتفاءل منها، ولم نحارب وكيف نحارب، ونظام الحكومة وكيف يكون، وأساليب الشعراء في شعرهم وبحور الشعر وأوزانها، وأساليب النثر، وآداب اللياقة، واحترام الأغنياء واحتقار الفقراء، وآلاف الآلاف من الأمثلة في الحياة المادية والسياسية والفنية والاجتماعية والعقلية والاقتصادية، لم نفعلها لأننا درسناها وعرفنا خيرها وشرها، ولكن هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وإنا على آثارهم لمقتدون.

وليس يستطيع أن يظهر فوق لجة الماء، ويكافح ضد التيار، إلا أفراد أقل من القليل، يظهرون على توالي الأجيال، ويستطيعون أن يكفروا بعبادة الماضي، وأن يزنوا الأمور بقيمتها الذاتية، لا بالتقاليد المرعية، ويفرقوا بين السخيف والمعقول، وما يستحق البقاء وما يستحق الإعدام من النظم والأفكار والعادات؛ كم من آلاف السنين مضت قبل أن يرى الناس عبادة الأصنام سخف، وأن استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان عار ... وكم من آلاف السنين مرت ولما يدرك قادة الأمم أن الحرب وحشية! وهكذا.

من البديهيات أن كل نظام يوضع يجب أن يكون لخير الأمة، وأنه يجب أن يبحث ليتبين خيره، وأنه إذا تبين نفعه يجب أن يبقى، وإذا تبين ضرره يجب أن يلغى، ولكن هذه البديهيات العقلية في ناحية، والعمل الذي يجري عليه الناس في ناحية أخرى، وقلما يعملون ما يعقلون، إنما يعملون ما يقلدون.

تقدم الغرب في هذا الباب خطوة، فوضع كثيرا من الأشياء المادية في «المعمل»، وأجرى عليها الاختبار والتجارب، وأصغى إلى نتيجة الاختبار والتجارب، فقلب زراعته وجعلها على أساس العلم لا على أساس التقاليد، وكذلك فعل في الصناعة، واخترع أدوات الحضارة، ولكنه لم يضع في «المعمل» النظم الاجتماعية والآراء السياسية والاقتصادية ووسائل السلم والحرب، ولم يجر عليها الاختبار والتجارب كما فعل في المادة، ولا يزال يصغي فيها إلى صوت التقاليد ولا يزال يعبد الماضي. •••

أما الشرق، فغلبت عليه عبادة الماضي في الماديات وغيرها، فلا يزال يزرع كما كان يزرع أجداده، ويصنع كما يصنع أجداده، ويخضع للنظم المالية والسياسية والاقتصادية، كما كان الشأن في القديم، إلا في القليل النادر، ومع هذا، فكل من الشرق والغرب يعبد الماضي، وإن اختلف مقدار العبادة ووجهها ... ولو وفق الناس إلى من يهديهم أن يضعوا كل شيء، وكل مشروع، وكل اقتراح في «أنبوبة الاختبار»، ويقيسوه بمقياس المنفعة العامة، لا بمقياس عبادة الماضي، لقفز العالم إلى الأمام قفزة واسعة، وحقق كثيرا مما يرجو من سعادة. •••

إن العالم الآن مختل التوازن، وسبب هذا الاختلال أنه وزن بعقله بعض الأشياء، وسار عليها بمقتضى العقل، ووزن بعض الأمور بميزان الشعور الصحيح الصادق، وسار عليها بمقتضى الشعور، ولكنه في نواحي السياسة والاجتماع والاقتصاد لا يزال مقيدا بعبادة الماضي، فكان كمن فكت يداه، ولا تزال مغلولة قدماه.

ما هذا الفزع الذي استولى ويستولي على نفوس الناس؟ ما هذه الضحايا التي بذلت في الحروب؟ ما هذه الفوضى والاضطرابات المتفشية في كل أنحاء العالم؟ لا سبب لهذا كله إلا أصنام يعبدها الناس؛ وخاصة قادة السياسة ورؤساء الحكومات وزعماء رجال الأعمال والأموال؛ وأحد هذه الأصنام وأضخمها، صنم اسمه الاستعمار والتوسع في الفتح والملكية، فالأمم الفائزة في الحرب تتسابق في عبادة هذا الصنم من غير تفكير، إلا أن السابقين عبدوه من قبل فليعبدوه هم، ولكن هل بحثوا بحق وعدل واطمئنان فوائد الاستعمار ومضاره حتى للمستعمرين أنفسهم؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢٦