ومما نلاحظه ارتياح الناس للهازئين الساخرين، وما يصدر منهم من هزء وسخرية، على شرط ألا يكونوا هم موضع الهزء والسخرية، فأوسع أبواب الظرف والكياسة، وأشد ما يستخرج الضحك والإمعان فيه، ما لذع به الناس في أعراضهم وأخلاقهم وملكاتهم، والذي يعده الناس لطيف الروح خفيف الظل، بارع الظرف، هو من يومئ الإيماءة الفاتكة، ويرشح لسانه باللفظ يقتل به البريء الغافل، ويضحك به اللاهي الماجن.
وقد تقام حفلات التكريم للإشادة بصفات عظيم، أو التنويه بما قام به من عمل جليل، ولكن أكثرها حفلات تأبين، تقام بعد أن اختفى المحتفل به عن المسرح وغاب عن الأنظار، أو بعد أن أعجزته السن وخرج من ميدان العمل والمنافسة، أو هي حفلات تجارية أقيمت لمنفعة المحتفلين لا المحتفل بهم؛ الحق أن هذه العاطفة - عاطفة البحث عن الخطأ وإذاعته، والولوع بالنقد أكثر من الولوع بالتقريظ - عاطفة تشارك الإنسان في جميع أدواره.
وتعليلها - على ما يظهر - يرجع إلى غريزة الأثرة وحب النفس، كأن الإنسان يرى أن القول بعيوب الناس يتضمن القول بتفوقه، والتشهير بأغلاطهم إقرار سلبي بنبوغه، والعمل على تحقيرهم قد ينتج مع الزمن انفراده بالعظمة، والسخرية منهم تستتبع الاعتراف بجلاله وحده.
ولكن المدنية والحضارة، والرقي العقلي والخلقي، تهذب من هذه العاطفة كما تهذب من سائر العواطف؛ فالناقد المهذب يكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون التجريح، يقول ما في نفسه، ولكن يتخير الألفاظ ويتخير المواقف، ويترفع عن ألفاظ الغوغاء وأساليبهم، والمقارنة بين الجرائد والمجلات، وأساليب النقد في الأمم المختلفة تؤيد هذا كل التأييد.
لو سار الأمر على المعقول لخف كثير مما يصدر من لوم ونقد؛ لأن أساس إمكان المسئولية، فإذا لم تكن فلا لوم، فلسنا نلوم المرضى إن لم يأتوا بأعمال الأصحاء، ولا نلوم البدوي كما نلوم الحضري، ولا نلوم الجاهل بما نلوم به العالم، ولا نلوم الطفل في المدارس الابتدائية إذا لم يحل معادلة جبرية أو نظرية هندسية.
إنما نلوم الإنسان عندما يكون في الإمكان أن يفعل خيرا مما كان، ولو قدر اللائمون تقديرا حقا ما يحيط بالملوم من حالة عقلية وجسمية وبيئة اجتماعية، ومن عوامل خفية معقدة يصدر عنها العمل، لخففوا من غلوائهم، ولطفوا من لومهم، ولعلموا أن استحقاق اللوم نسبي يرتبط بالسن، وبدرجة الثقافة والمدنية، وحالة الفرد في أمته، وموقف أمته في العالم.
ولو سار الناقد على المعقول، لوقف موقف المصلح لا موقف الجاسوس يهمه أن يرى الخطأ ليبرهن على كفايته، ويسره أن يرى العيب ليقبض على فاعله، وكلما أوغل في استكشاف العيب الدفين، وتعمق في إظهار جريمة مستورة، كان أدل على قدرته ونبوغه، ويأسف إن لم يكن عيب؛ كأنه يشعر شعورا باطنيا أنه إرهاص بأن لا حاجة إليه.
والمصلح يستكشف العيب لا ليشهر به، ولكن ليعالجه، وأقصى أمانيه ألا يكون عيب، وإذا كان فأن يداوى، ويعتقد أن مهمته تتم - مع السرور - يوم يزول المرض ويتلاشى النقص، وأنه بنقده ولومه إنما يصف دواء يستأصل الداء ويأتي عليه، وأسوأ ما نرى أن يكون الناقد كالفرس الجموح ينال من الناس بهوجه وخبطه، أو أن يقف في نقده موقف الغر يداعب بالنار، أو الطفل يلعب بالسكين.
الفصل الثامن والعشرون
| عبادة الماضي
أتظن أن الناس يعبدون إلههم وحده؟ ويقيمون له الشعائر وحده؟ ويطيعونه ويعظمونه وحده؟
كلا، إن هناك معبودا آخر للناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، يطيعونه ويخضعون له، ويقدسونه ويصدرون عنه فيما يفعلون ويتركون، وهو الماضي الحافل بتقاليده وأفكاره وأعماله.
لئن كانت ميزة الإنسان الكبرى هي تطوره وقدرته على التغيير والتحسين والتجديد، فإن فيه عنصرا قويا موروثا من أصله الحيواني، هو عنصر الثبات والاستقرار، وبقاء القديم على قدمه.