تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان التباهي قديما بقوة العضلات وكبر الحجم، فكانت المشاكل تحل بالقوة؛ بقوة الجسم والسلاح، ثم نمت في الإنسان قوة عليا غطت على القوة الأخرى، وهي «قوة العقل»، فلم لا يكون التحاكم إليها والقول الفصل لها؟

إنما الحرب أثر من آثار القوة المادية، ونزعة عتيقة من نزعات القرون الأولى، ولم يعد يليق بمقام الإنسان من أنواع الصراع إلا صراع الآراء والأفكار.

الفصل السابع والعشرون

| النقد والتقريظ

أصل كلمة النقد من نقد الدراهم، وهو امتحانها ومعرفة الجيد منها، فهي بهذا المعنى لا تقتصر على ذكر العيوب والتشهير بها، بل تدل على استعراض الشيء والوقوف على محاسنه ومساويه.

وقد تستعمل في معنى الذم والعيب خاصة، ومنه حديث أبي الدرداء: «إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك»، فاستعمل الكلمة بمعنى العيب والذم.

وهي بهذا المعنى ضد التقريظ، فالتقريظ مدح الشيء والثناء عليه، مأخوذ من قرظ الجلد دبغه بالقرظ، وقرظه بالغ في دباغه، وسموا المدح تقريظا؛ «لأن المقرظ يحسن ويزين صاحبه كما يحسن القارظ الأديم»، وبهذا المعنى يستعملها الكتاب المحدثون، فيعنون بالنقد ذكر المساوئ، وبالتقريظ ذكر المحاسن.

ولست أعرض في مقالي هذا للكلمتين من الناحية الأدبية، فلا أعرض لمذاهب النقد الأدبي ومقاييسه، كما لا أعرض لأساليب التقريظ وألوانها، وإنما أعرض لظاهرة نفسية تلفت النظر؛ هي أن الناس على اختلاف درجاتهم في البداوة والحضارة والرقي والانحطاط، مولعون بالنقد أكثر من ولوعهم بالتقريظ، ومولعون بالبحث عن العيوب وإظهارها والمبالغة في تصويرها أكثر من ولوعهم بالبحث عن المحاسن وإظهارها وتصويرها، وهم في ذلك بين اثنين: إما ممثل على المسرح يمثل دور الباحث عن العيوب المتجسس على السقطات، يستبشر كلما عثر على خفايا الزلات، ويقيس نجاحه بمقدار ما كشف من أخطاء، وإما شاهد لهذا المنظر، أكثر ما يهتم له العيب الفاضح والسقطة الشنيعة، يطيل التصفيق لكاشف الزلل، ويمنح الإعجاب من أصاب من آخر مقتلا.

ومظاهر ذلك في الحياة كثيرة، فلا تكاد تجد عظيما بإجماع، ولكنك كثيرا ما تجد أصاغر؛ لأن النفوس ترتاح لمنظر الحقير إذ خرج من ميدان المنافسة، ونزل عن مستوى المقارنة، ويضنيها العظيم فتتلمس وجوه النقص فيه، وتخلقها إن لم تكن، وتبالغ فيها إن كانت؛ لأن العظيم يكلفها العناء في إدراك شأوه وبوغ منزلته.

ومن مظاهر ذلك، أن مجلات عديدة في العالم كله تعيش على النقد، وليس هناك - فيما أعلم - مجلات تعيش على التقريظ، وقد أدركت هذه المجلات إدراكا صحيحا هذه الظاهرة النفسية، ورأت أن رواجها يكون أتم كلما ارتفعت نغمة هجوها، وكلما كان نقدها أقذع وسهامها أنفذ، والجرائد في العالم تبذل المدح بالحبة والنقد بالقنطار، ومن آية ذلك أن الناس في كل أمة يقدرون - غالبا - جرائد المعارضة أكثر من قدرهم جرائد التأييد، فإذا تغيرت الحكومات وأصبحت جرائد المعارضة بالأمس جرائد تأييد اليوم، نزلت قيمتها من ناحية أنها لم تعد تروي رغبات الناس وشهواتهم.

ثم، ما النقد الأدبي؟ أليس هو في الغالب إرضاء لعاطفة البحث عن الغلط والتشهير به؟ إذا مدح النقاد فبحذر وقدر، وأكثر مدحهم «طعم» يستدرجون به القراء لإقناعهم بأنهم عدول في تقديرهم، منزهون في ذمهم ومدحهم، حتى إذا اطمأن لهم القارئ بالغوا في النقد وأسرفوا في اللوم، وأكثرهم الناشئين من الأدباء يتطلبون الشهرة من طريق مهاجمة النابغين والتعرض لهم، والتسميع بهم، حتى إذا تصدوا للرد عليهم رفعوا من شأنهم؛ إذ جعلوهم في منزلتهم، وقديما حكى لنا «بشار بن برد» أنه - وهو ناشئ - هجا جريرا، فأعرض عنه واستصغره، ولو أجابه لكان - كما يقول - أشعر الناس؛ قد يكره الناس الناقد الجريء، ولكنهم يهابونه ويلتفتون إليه ويشجعونه على أن يبني نفسه من أنقاض ما هدم من غيره.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢٤