تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفبعد هذا يستطيع أن يؤمن منصف بخير الحروب ومزاياها؟

لا شك أن العالم الآن في حاجة قصوى إلى تغيير في الآراء السياسية، والنظم السياسية، وإلى تأسيس مشاعر إنسانية لا قومية، وعادات إنسانية لا قومية، وتفكير إنساني لا قومي، وعواطف إنسانية لا قومية، وعلاقات اقتصادية إنسانية لا قومية، وحكومات ترعى هذه المشاعر والعواطف والعادات الإنسانية لا القومية، فبذلك وحده يختتم العالم فصول الحرب، ويحل البناء والتعبير محل الهدم والتخريب، ويسير العالم إلى الرقي بخطى لم يكن لها نظير في الماضي.

الصراع الاقتصادي

وهذا هو النوع الثاني من أساليب القتال، وهو كثير الدوران بين الناس في كل ساعة وأوان؛ فالبائع يصارع المشتري، والمشتري يصارع البائع، والمستهلك والمنتج يتصارعان دائما، والعمال وأصحاب رءوس الأموال في صراع دائم، وكذلك ملاك الأرض والمستأجرون، ثم كل طائفة متحدة العمل يتصارع بعضهم مع بعض؛ فالباعة يتنازعون على المشترين، وأصحاب رءوس الأموال يتنازعون على العمال وغيرهم، والملاك على المستأجرين وهكذا.

وقد نشأ من هذا الصراع الاقتصادي نتائج كثيرة، بعضها نافع؛ كتحسين الإنتاج وتخفيض الأسعار على المستهلكين؛ إذ لو انعدم هذا الصراع لكان الاحتكار، وفي ذلك ضرر على الناس كبير؛ وبعضها ضار؛ كالذي نشاهد من النزاع العنيف بين العمال وأرباب رءوس الأموال، ومشكلة العاطلين، ومشاكل إضراب العمال، وغيرها.

ومن مظاهر الصراع الاقتصادي بين الشرق والغرب، فمن أهم أسبابه أن الغرب يريد أن يستغل الشرق إلى أقصى حدود الاستغلال، فهو يريده مزرعة والشرق يريد نفسه حرا، يريد الغرب أن يرقي الشرق، ولكن كما يرقي المالك مزارعه؛ فهو يساعد على حفر الترع وتنظيم الري وتسهيل المواصلات ونحو ذلك مما يزيد في الثروة؛ لأن هذه الثروة نتيجتها في الغالب وفي النهاية للغرب، ويريد الشرق أن يثقف أبناءه على النمط الذي يريده، ويضع لنفسه نظام الحكم الذي يتفق ومصلحته، فيأبى الغرب عليه ذلك؛ لأنه ليس في مصلحة الاستغلال، فيكون من ذلك صدام وصراع كالذي نشاهد الآن؛ نعم، إن هناك أسبابا لذلك الصراع غير اقتصادية، ولكن السبب الاقتصادي في النهاية أهم الأسباب.

وإذا تغيرت الأنظار الإنسانية التي أبناها من قبل في هذا المثال سهلت هذه المصاعب، وقل هذا الصدام، وساعد الضعفاء على حسن الإنتاج وحسن الانتفاع.

الجدل والمناقشة

وهذا الصراع أدق أنواع الحرب وأظرفها، تقوم فيه الآراء مقام الجنود، وتقوم الحجج مقام السلاح، وتقوم العقول مقام مصانع الذخائر والأسلحة، وفي هذا الصراع الخير كل الخير؛ فقد نتج عنه خير المخترعات، وخير النظريات، وخير العلوم والمعارف، وكان من أثر النزاع بين الآراء معرفة جيدها من رديئها، وصحيحها من زائفها، وكان من أثر النزاع بين النظريات التعادل بينها، وأخذ القدر الصالح من كل منها.

وهذا الجدل والمناقشة بدأ في أول أمره فوضى لا ضابط له ولا نظام، ثم دخله النظام فرقاه؛ ففي النواحي السياسية نظمت البرلمانات والأحزاب، كما نظمت المناقشات في الانتخابات، وفي النواحي الاجتماعية الأخرى نظمت جماعات الأديان وجماعات التربية، وفي المحاكم نظمت المناقشة في المحاماة وفي منصة القضاء، ونظمت المؤتمرات لتبادل الآراء، فكان هذا التنظيم داعيا لحسن التفاهم وزيادة الإنتاج العقلي؛ نعم، قد يشوه الجدل التحزب والتعصب واتهام الخصوم بعضهم بعضا ونحو ذلك، ولكن كلما رقي النوع الإنساني تضاءلت هذه الأشواك، وتجلت المناقشة في أحسن مظاهرها.

ثم هذا النوع من الصراع أليق الأنواع بالإنسان، وهو الأمل الوحيد في أن يحل محل كل نزاع وصراع، فيحل بالرأي ما كان يحل بالحرب، ويحل بالجدل والمناقشة ما كان يحل بالإضراب، وما كانت «عصبة الأمم» في أسمى أشكالها وأرقى مناهجها إلا ضربا من هذا، ونزوعا إلى تحكيم العقل بدل تحكيم السلاح، وإحلال الرأي محل السيف.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢٣