ولكن بتقدم الناس في المدنية عظمت ويلات الحروب، وصارت الموازنة بين منافعها ومضارها محل تفكير العلماء، فالحرب عمادها الفتح، وطمع الفاتح في الثروة من مال «المفتوح»، ولكن هذا الأسلوب في تحصيل الثروة - إذا نظر إليه من الناحية الإنسانية - أسلوب فاسد؛ فالثروة المشروعة هي الثورة بالإنتاج أو في مقابل إنتاج؛ كالذين يربحون من تجارة أو صناعة أو نحو ذلك، أما ثروة الحرب، فثروة من جنس ثروة الغاصب أو السارق أو المقامر، وهي كذلك تحرك في نفوس الفاتحين نزعات الطمع والقسوة والبغض وحب التدمير وغير ذلك من أوصاف تحتقرها الإنسانية، ثم هي تشغل الأمم المتحاربة وتصدها عن التقدم الحقيقي، فهي تقضي زمانها الحربي في حرب، وزمنها السلمي في استعداد للحرب وإصلاح لما أفسدته الحرب، وفي ذلك بلاء عظيم.
ولقد كانت الحرب العظمى الأخيرة مجالا صالحا لدراسة العلماء نفعها وضرها؛ إذ كانت مواد الدراسة فيها متوافرة، وكانت أسبابها ونتائجها ماثلة بين أعينهم، وكانت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية قد تقدمت تقدما عظيما، فاستطاعوا من ذلك كله أن يلقوا ضوءا قويا على مقدار ما استفاد العالم منها وما خسر.
لقد رأوا أن خسارة العالم منها كانت أكثر من الربح بدرجة عظيمة، وأن أضرارها تفوق ما كان في الحروب السابقة، وأكبر سبب في ذلك قوة الجبهتين المتحاربتين؛ نعم، إن في كل حرب كان تدمير وخراب، ولكن هذه الحرب كانت أكثر تدميرا وخرابا؛ فقبل هذه الحرب كانت الأسس الاقتصادية لكل أمة تكاد تكون مستقلة، فإذا حاربت أمة أمة انتقلت مزايا الأمة المغلوبة إلى الأمة الغالبة في سهولة، وبقدر الغلبة، أما الآن فالأسس الاقتصادية ليست وحدتها الأمة، ولكنها مشتركة بين الأمم - كشركة النفط في العراق تشترك فيها إنجلترا وفرنسا وأمريكا، وهذا هو الشأن في أهم منابع الثروة من صناعة وتجارة؛ فالحرب لا تنقل المغانم من يد إلى يد، ولكنها تهدم البناء على الجميع؛ على الأعداء والحلفاء، وعلى الغالبين والمغلوبين، وعلى المدافعين والمهاجمين، ومن ثم كان الخراب في الحروب الحديثة أتم، والبلاء أعم، هذا إلى اتساع رقعة القتال وعدد المقاتلين؛ فلم يعد القتال بين أمة وأمة - غالبا - بل إن المصالح المشتبكة جعلت القتال بين نصف العالم ونصفه الآخر تقريبا، وبذلك كان الخراب في الأنفس والأموال لا يقاس به كل ما سبق من قتال.
لقد أحصى الأستاذ إروين (Irwin)
مقدار الخسارة المالية في الحرب العظمى، فكانت حسب تقديره 186000000000 دولار، وهذا - كما يقول هو - مقدار الخسارة المالية المباشرة، فإذا أضيفت إليها الخسائر غير المباشرة من مثل تخريب الأملاك ووقوف حركة الإنتاج، كان المجموع 337000000000 دولار، وكانت الخسارة المالية المباشرة في اليوم الواحد في السنة الأخيرة من الحرب تكلف الأمم المحاربة 240000000 دولار، وأحصى بعضهم الخسارة في الأنفس فكانت نحو عشرة ملايين من الجنود قتلى، وبين مليونين وثلاثة ملايين عجزة!
وليس يستطيع كاتب بليغ ولا شاعر مفلق أن يصف ما أصاب الناس فيها من هول وفزع وكرب، حتى كان كثير ممن نجا من القتل والجرح غير صالح نفسيا لمداومة الحياة، وكثرت بعد الحرب الوفيات، وزادت إحصاءات الأمراض، وورث الآباء القاتلون أبناءهم أعصابا مريضة، وأوصافا سيئة، ولم يقف الأمر عند هذا، بل إن الحرب هزت النظم الاجتماعية من أساسها، فبلبلت الآراء والأفكار في القانون وفي العقائد وفي الأخلاق، وأفقدت الناس ثقة بعضهم ببعض، فساءت الحالة الاقتصادية؛ لأن مبناها الثقة، فكان مصيبة الناس في تزعزع النظم الاجتماعية والمثل الأخلاقية والثقة الاقتصادية، أكبر من مصيبتهم في الأنفس والأموال.
وتحولت كل القوى من قوى بانية إلى قوى مخربة؛ فالعلماء وجهوا مجهودهم لاختراع المخربات والمهلكات، وأموال الأمم التي كانت تعد للبناء صرفت في التسلح واقتناء المدافع المدمرة والغواصات والطيارات، وانتشر الميل إلى التخريب بين أفراد الشعوب، فقد كانت الحروب الماضية حروبا بين الجنود فحسب، فأصبحت الحرب الأخيرة بين طبقات الشعوب كلها من أطفال ونساء وشيوخ، كل يعمل أعمالا حربية تلائمه، فانحل بذلك كثير من أسس المدنية؛ لأن المدنية تقوم على البناء لا على الهدم والتخريب.