تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة، كان هناك قتال بين الأرستقراطيين والديمقراطيين؛ فالأستقراطيون يريدون أن يحتفظوا بثروتهم وبقوتهم وبجاههم، والديمقراطيون يريدون أن يحيوا حياة خيرا من حياتهم، وهم لا يرضون أن يكونوا عبيدا، ولا يقنعون بالفتات الذي يتبقى من موائد الأغنياء، ولا أن يعيشوا في جهل وظلام، فكان من ذلك صراع، أي صراع، يمتاز عن حرب الأجناس وحرب الأمم بأنه حرب دائم مستمر، لا يظفر أحد الجانبين ظفرا إلا ويستعد للموقعة التي تليها، وهكذا تنتهي الحياة بين حرب واستعداد للحرب وتوزيع للغنائم.

وقامت النظريات الاشتراكية وغير الاشتراكية تتنازع في المبادئ تنازع الطبقات في الحياة، وكان ظفر الديمقراطية - على الجملة - أكبر، وانتصارهم أنم وأبهر، فحسن مركزهم في الهيئة الاجتماعية، واستطاعوا أن ينالوا حظا من التربية والتعليم، وكانوا كلما ظفروا بشيء استخدموه في الموقعة التي تأتى بعده؛ فاستخدموا تعلمهم، واستخدموا القوانين المشروعة لهم في تنظيم ساعات عملهم ورفع أجورهم في المطالبة بأكثر مما نالوا، وبحقهم أن يعيشوا خيرا مما عاشوا، وحاربوا الأفكار الشائعة أن طبقة من الناس خلقت لتحكم وتنعم بالثروة، وطبقة أخرى خلقت لتحكم، وقالوا إن في كل طبقة مزاياها وعيوبها، وفي كل طبقة أناسا متميزين بفطرتهم واستعدادهم يستطيعون أن يتبوءوا أحسن المراكز ويتحملوا أشق التبعات لو أتيحت لهم الظروف، وهؤلاء موجودون بين الفقراء كما هم بين الأغنياء.

وأهم مظهر للنزاع بين الطبقات كان في تولي شئون الحكم؛ كالنزاع بين طبقة المحافظين وطبقة العمال عند كثير من الأمم، كما كان في كسب الرأي العام بعرض كل فريق حججه وأدلته، وشرح قضيته شرحا مستفيضا؛ ليكسب الناس بجانبه ويفوز بتأييدهم له.

وكان أكبر نصر نشأ من هذا النزاع بين الطبقات تقرير حقوق الإنسان، وسيادة المبادئ التي تقرر أن الحكومة إنما وظيفتها أن تخدم كل الطبقات على السواء لا طبقة خاصة، وألا تعير أي التفات إلى انقسام الناس إلى طبقات، وأن تتجه إلى الرأي العام من غير تمييز ولا تحيز، وأن تتيح الفرص في التعلم والكسب والمناصب للناس على السواء، وأن تنظم الشئون الاجتماعية على أساس المساواة لا على أساس الطبقات، وأن تفهم الناس أن قيمة كل فرد إنما هي في شعوره بالواجب وأدائه، لا في الفخر بأجداده وآبائه. (2) أساليب القتال

الصراع العقلي أليق الأساليب بالإنسان

أبنت في المقال السابق أهم ميادين القتال، وهي: الحرب بين الأجناس، والحرب بين الأمم، والحرب بين الطبقات، ووعدت القراء أن أذكر في هذا المقال أساليب القتال.

وأساليب القتال كذلك متنوعة الأشكال، متعددة النواحي، ولكن أهمها أيضا ثلاثة، فلنحصر كلامنا فيها: وهي الحرب، والصراع الاقتصادي، والجدل والمناقشة والحجج والبراهين.

الحرب

لسنا ننكر ما للحرب في تاريخ العالم من أثر كبير في تقدم الإنسان، فالحرب بين الأفراد كان لها أقوى الأثر في تقوية أخلاقهم، والحرب بين القبائل أدت إلى قوة المجتمعات، وإنشاء المدنيات، والحرب بين الأمم أدت إلى شحذ الهمم، والتسابق إلى المجد، والتسامي إلى الكمال.

فالحرب تدمر وتفني، ولكن من يبق بعدها يكن أصلح للبقاء، وأقوى على احتمال الآلام، فكم من ملايين الأرواح أكلتها، وكم من كنوز الأموال ابتعلتها، ولكنها مع ذلك كله قوت أخلاق الشعوب، وعلمتها البذل والتضحية، والأمم التي لم تساهم في الحرب ولم تتخلق بأخلاق الحرب تفنى وتموت، وقديما قالوا: «ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».

وكان أهم ما قدمته الحرب للإنسانية أنها علمت الشعوب النظام والخضوع لأوامر سلطة قوية تهيمن على شئونها، وتدبر أمورها، فكان من أثر ذلك أن انتقل المتوحشون من حالة همجية إلى حالة استقرار وخضوع لنظام، فتكونت الأمم، وتقدمت المدنية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢١