تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس النزاع بين السود والبيض في أمريكا هو المثل الوحيد في النزاع بين الأجناس، فالحقيقة أن هذا النزاع دائرته أوسع مما يظن، فحركة مصر والهند نحو الاستقلال، والعداء بين أمريكا واليابان، وحركة الأمم الشرقية جميعا نحو التحرر من الاستعمار والانتداب، من أسباب الاختلاف بين الأجناس، ولست أقول إنه هو السبب الوحيد.

وكثير من العلماء يرى أن هذا النحو من النزاع آخذ في الضعف؛ لأنه يرجع إلى العواطف الموروثة التي تبعث على الكراهية، فإذا حل محلها العقل وحسن التقدير وسعة النظر قل هذا العداء، وضبطت هذه العواطف، وأدرك الناس أن هذا النزاع ليس في مصلحة أحد المتخاصمين، ولا في مصلحة الإنسانية، وأن تعاون الأجناس خير لكل مرافق الحياة؛ سواء كانت اقتصادية، أم علمية، أم سياسية، أم اجتماعية.

القتال بين الأمم

وهذا النزاع بين الأمم يرجع عادة أيضا إلى سببين: سبب نفسي، وسبب اقتصادي؛ فالنفسي منشؤه الاختلاف بين الأمم في الأخلاق والعادات والمميزات والثقافة والتاريخ، والسبب الاقتصادي منشؤه قلة الحاجات بالنسبة إلى سعة الرغبات؛ فخيرات الدنيا أقل من شهوات الأمم؛ ولذلك يشتد النزاع وتتسابق الأمم للحصول على أكبر قسط منها، فيكون الاصطدام.

وهذا النزاع الذي بين الأمم هو بعينه الذي كان بين القبائل أيام البداوة، وبين الأشراف أيام حكم الإقطاع، فلما تكونت الأمم بحكم الظروف بدأ هذا النزاع القبلي والإقطاعي يتحول إلى نزاع أممي، وعظم شأنه بعظم المتحاربين؛ فالقبيلة قليل عددها، ضعيف دخلها، محدودة قدرتها، فلما حاربت قبيلة قبيلة أخرى مثلها كان القتال بنسبة قوتهما، فلما قوي المتحاربون، وأصبحت وحدة الجبهة هي الأمة لا القبيلة، زادت ويلات الحروب وعظم خطرها.

والغرض الذي ترمي إليه الحروب بين الأمم كذلك نفسي، واقتصادي؛ فالاقتصادي تحصيل خيرات الأمم المغلوبة وإذلالها وإخضاعها لحكمها، وهذان الغرضان كانا وما زالا يعذبان نفوس الشعوب، ويدفعان أفراد كل أمة للتعصب الشديد لأمتهم، والعداء الكامن لغيرهم.

ولكن أخذ يتجلى للناس شيئا فشيئا أن هذا القتال لا يحقق الغرض منه؛ فمن الناحية الاقتصادية قل أن تساوي نتائج الحرب ما ضاع بسببها؛ سواء في ذلك الغالب والمغلوب، وكل أمة هي في الواقع عامل من عوامل الثروة في العالم، فإذا أضعفت ضعف إنتاجها، فيتضرر العالم من ضعفها.

ومن الناحية النفسية، لا خير في هذا العداء ولا في هذا التعصب، فهو نفسه يزيد الحالة الاقتصادية سوءا، ويزيد النار وقودا، والعلماء القائلون بهذا يتفاءلون بأن العالم صائر إلى أن يفهم هذه الحقيقة فهما جليا، فتقل الحروب أو تنمحي، فكما كان في القديم إذا خاصمت أسرة أسرة حاربتها، وإذا خاصم فرد فردا بارزه، ثم ترقى الناس فأحلوا التفاهم محل القتال، وإذا لم يكن تفاهم فهناك محاكم يخضع لها المتخاصمون، فكذلك يجب أن يكون الشأن في الأمم، لا تتحاكم إلى السيف ، وإنما تتحاكم إلى العدل؛ ولكن كلما أمل المتفائلون خيرا أتت حوادث العالم فخيبت ظنهم وأقصت أملهم.

القتال بين الطبقات

كل أمة جاوزت طور البداوة نشأ فيها جماعات ممتازة، وأوضح شيء في هذا الامتياز هو الثروة أو الملكية، وهذه الثروة هي السبب في كل الامتيازات الأخرى؛ فالغنى ينشأ عنه سعة أوقات الفراغ، فليس يصرف الزمن كله في تحصيل القوت، ومتى وجد الفراغ استطاع صاحبه أن يتفرغ للعلم أو الفن، وبذلك يكبر عقله، ويرقى ذوقه، فتصبح الطبقات متميزة في الثروة والثقافة جميعا، والثروة والثقافة تسببان قوة، وهم يستخدمون هذه القوة في مظاهر مختلفة، فتتمايز الطبقات في الثروة والثقافة والقوة وما ينشأ عنها.

وهذا التمايز يورث في الأسر؛ فالأسرة ترث عن عميدها ثروة، وترث جاها وقوة، وترث ثقافة، ويمضي الزمان واستمرار الإرث يزيد الفواصل بين طبقات الأمة، فتجد طبقة من الشعب أن ليس لها من الوسائل ما يثقفها، ولا من الوسائل ما يحييها حياة طيبة صالحة، ولا من الوسائل ما يمكنها من أن تكون لها مكانة في المجتمع، وترى طبقة الأغنياء ممتعة بكل هذه الوسائل، فيكون هناك ميدان ثالث من ميادين القتال؛ فكان قتال بين ملوك الأراضي وعبيدهم، وكان قتال بين أصحاب رءوس الأموال والعمال، وكان قتال بين أصحاب الآلات الحديثة والصانعين بأيديهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٢٠