والعالم كله ميادين قتال؛ فحيثما التفت وجدت ميدانا، ووجدت حروبا، ووجدت ضحايا، فكأن الذي خلق الخلق سلط بعضهم على بعض، فهم في نزاع مستمر وحرب دائمة؛ إن نظرت إلى الحيوانات فهي تتناطح دائما، ويفترس القوي الضعيف دائما: ذئب يفترس شاة، وسبع يفترس ذئبا، وهكذا، وميدان قتالهم فسيح لا حد له.
وإن نظرت إلى الإنسان والحيوان وجدت ميدانا آخر للقتال بديعا: إنسان يفترس دجاجا وشياها وأنعاما، وأسد يفترس إنسانا، وميكروب يفترس هؤلاء جميعا، وإن نظرت إلى عالم الإنسان وحده وجدت ميادين القتال أروع، والحرب فيها أبرع، ووجدت ما كان في الميادين الأخرى عن غريزة ساذجة ، وانفعال فطري، هو في الإنسان وليد الغريزة والعقل معا، برز العقل في الميدان، فكان أبرع ما كان، عرف كيف يستخدم العلم والطبيعة وكل شيء في الحياة في حروبه، فكان فتكه ذريعا، وحصده شنيعا، وسلاحه مبيدا، واختراعه وبيلا.
وكل يوم يمد العقل ميادين القتال بصنوف المهلكات والمدمرات، ويعم الميادين من الأرض إلى السماء ومن البر إلى الماء، ويمعن في اختراع الآلات من حجر إلى رصاص، ومن رصاص إلى غازات، ومن غازات إلى ما لا يعلمه إلا الله خالق العقل، ثم هو لا يكتفي بما عرف عن الحيوان من قتال، بل يقاتل في المعاني كما يقاتل في الأجسام؛ فهناك ميادين للقتال في الأخلاق، وميادين في الشهوات، وميادين في النظم الاقتصادية والاجتماعية، فكانت ميادينه لا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى!
فإن قلت إنك في كل خطوة تخطوها، وفي كل حركة تتحركها، وفي كل معاملة خلقية ومالية واجتماعية تصدرها، فأنت في ميدان حرب، وإنك كاسب في كل منها أو خاسر، وإنك تظفر بعدو لك أو يظفر بك عدوك، لم تعد الصواب، ولم تخطئ القول.
ولكن إن اتسعت الميادين بهذا الشكل لم يستطع الكاتب أن يشملها بالكتابة، وأن يعمها بالقول جملة، فخير أن يختار منها ميدانا يصفه، ويقتصر على شرحه، فلنكنف اليوم بأهم أنواع القتال بين بني آدم. (1) ميادين القتال
إذا دققنا النظر وجدنا أنها أنواع ثلاثة: القتال بين الأجناس، والقتال بين الأمم، والقتال بين الطبقات.
القتال بين الأجناس
فالعداء بين الأجناس سببه الاختلاف الطبيعي والاجتماعي بينهم؛ فالإنسان من طبيعته العطف والميل والتعصب لمن يشاركه في لونه وملامحه وشعره وملبسه، وقد جر هذا العطف إلى التعاون بينه وبين أمثاله من هذا القبيل، فتقاربوا كذلك في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فتأكدت بينهم الصلة، كما أن من طبيعته الكره والبغض والتعصب على من لا يشاركه في تلك الخصائص الجسمية، فجر هذا الكره إلى عدم التعاون، فتباعدوا في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فبعدت مسافة الخلف بينهم.
وعملت الوراثة والبيئة عملهما في توثيق الصلة بين الأولين، وشدة التنافر بين الآخرين، وأصبح الخلاف بين السود والبيض - مثلا - ليس خلافا في اللون وحده، بل خلافا في العقلية، والأخلاق، وفي الحياة الاجتماعية، وفي النظر إلى الأشياء وتقويمها، وفي الحياة الاقتصادية وغيرها.
وليس القتال بين الأجناس المختلفة الألوان مقصورا على القتال لتحصيل العيش، بل هو كذلك قتال على السيادة؛ فالجنس الأبيض - مثلا - يرى أن له من المزايا والصفات ما يؤهله أن يحكم الجنس الأسود ويسيطر عليه؛ وأكبر مظهر لحرب الأجناس المشكلة التي بين البيض والسود في أمريكا؛ فقد بدأ النزاع بينهما من القرن السابع عشر، وما تزال هذه المشكلة إلى اليوم أهم مشاكل الولايات المتحدة.
والنظريات العلمية تتنازع بينهما تنازع الجنسين أنفسهما؛ فنظرية ترى أن استعداد السود لا بأس به، وأنهم يصلون في الأعمال الاقتصادية والحكومية وفي الفنون إلى درجة ليست بالمنحطة، وأنهم إن لم يبلغوا شأو البيض، فليس لقصر في استعدادهم، وإنما هو لما أحاط بهم من ظروف، ولعزلتهم وعدم معاونة البيض لهم، ونحو ذلك من أسباب، ونظرية ترى أن استعدادهم الفطري ضعيف، وعقليتهم منحطة مهما هيئ لهم من ظروف، وأنه مهما أعينوا وسوعدوا فلن يصلوا إلى درجة البيض بحال؛ وعلى هاتين النظريتين ثارت مشاكل فرعية: هل يصح تزواج السود والبيض؟ وإلى أي حد يسمح للسود بالاشتراك في المسائل الاجتماعية والسياسية؟ إلى كثير من أمثال ذلك.