تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الواقع، إن حكومات المستعمرين وضعت أمام أعينها إنشاء المدارس الأجنبية في الشرق لأسباب كثيرة:

منها نشر الثقافة الأجنبية، والنشء إذا تثقف بثقافة قوم أحبهم ودعا لهم؛ ولذلك تزاحم الإنجليز والفرنسيون والألمان والأمريكان على ذلك؛ ومنها الرغبة في تنصير أبناء الشرق ما استطاعوا، وقد رأوا أن خير الوسائل في التبشير أمران: التعليم في المدارس الأجنبية، والمستشفيات؛ إذ ينتهزون فرصة مرض المريض فيدسون له الدعوة إلى التنصر.

وكان أول دعاة نشر التعليم والتبشير البعثات البروتستانتية؛ فقد كانوا أول من أدركوا أن التعليم أحسن ميدان للتبشير، وإذ كانت الشعوب الأوربية والأمريكية متحمسة لنشر دينها، أمدت هذه المعاهد بالأموال الكثيرة.

قال بعض هؤلاء المبشرين: «إن أهداف المدارس والكليات التي تشرف عليها هذه البعثات هي التنصير، حتى إن الموضوعات الدنيوية التي تعلم فيها؛ كالجغرافيا والتاريخ تحمل معها الآراء النصرانية»، وقال آخر: «إن التعليم أنفع وسيلة يستغلها المبشرون لتنصير الأفراد»، واشترطوا في الأساتذة المدرسين في هذه المدارس أن يكونوا مسيحيين ما أمكن؛ لأن دين المعلم يؤثر ولو من طريق خفي في تلاميذه؛ ولذلك أيضا تحتفظ ما أمكن بوضع منهج خاص يحقق أغراضها، ولا تسير على مناهج البلاد إلا إذا شعرت بالقوة، واضطرت إلى ذلك اضطرارا.

ومن غريب الأمر أن هؤلاء المبشرين شديدو التحمس لنشر دينهم؛ فهم يتحملون من أجل ذلك كل ما يصادفهم من صعاب، ولو أدت إلى ضياع أرواحهم، ولخدمة أغراضها لم تتورع من تحريف التاريخ، فصبته في صيغة خاصة، ولونته باللون الذي يعجبها، وطعنت في أديان الشعوب الذين لا يدينون بالنصرانية، حتى تنشر نصرانيتها، وكل يوم كان يحدث في مصر مثلا - بعد أن تنبه الوعي - القومي أن يكتشف طعن في هذه الكتب في الدين الإسلامي، أو محمد (عليه الصلاة والسلام)، أو في المسلمين، فيثور الرأي العام على ذلك، ثم تجمع هذه الكتب من يد التلاميذ وتنطفئ الثورة.

ومن مكرهم أنهم رأوا أن يوجهوا أكبر همهم إلى تعليم البنات، فأنشأوا لهن المدارس الخاصة، علما بأن البنات سيكونن أمهات، فإذا كن قريبات من النصرانية، أثرن في أولادهن.

وانتشرت المدارس الأجنبية في الشرق انتشارا كبيرا، حتى كان في الشام وحدها 174 مدرسة أمريكية منبثة في المدن والقرى، وغزت أنواع التعليم كله؛ من رياض الأطفال، إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في القاهرة، والجامعة الأمريكية في إستانبول، وأجبروا الطلبة على دخول الكنيسة في المدارس، وحضور الصلاة، فلما أضرب الطلبة قال قائلهم: «إننا نأخذ الأموال من المتبرعين بعاطفة نشر الدين، ونحن إذا أبطلنا الدين من المدارس لم نجد من يتبرع لها».

ولكن الذي حدث أن هؤلاء المبشرين لم ينجحوا نجاحا كبيرا في نشر الديانة النصرانية؛ وخصوصا بين المسلمين؛ لأن في الإسلام حصانة قوية، فاضطروا إزاء ذلك الفشل أن يحولوا مناهجهم، ويصلحوا أساليبهم، ويتساهلوا في إجبار الطلبة على حضور الصلوات في الكنائس، ولكن - مع الأسف - اكتشف أن هذه المدارس - وقد عدلت عن التبشير القوي بالنصرانية - أخذت تخدم السياسة الاستعمارية.

وممن تنبه إلى ذلك أشد التنبه الأتراك في بلادهم، فقد منعوا الأطفال المسلمين من دخول مدارس المبشرين، وجعلوا التعليم في هذه المدارس قاصرا على المسيحيين، وفي عام 1888 أغلقت الدولة العثمانية مدارس المبشرين الأمريكيين، وكان من أنشط مدارس التبشير بالنصرانية وبالسياسة اليسوعيون، فقد ضيقت فرنسا عليهم في بلادها، وشجعتهم كل التشجيع في خارج بلادها.

ومن الغريب أيضا أننا نلاحظ أن أكبر أعداء المبشرين هم المسلمون، فهم أعدى لهم من الوثنيين واليهود، لأسباب يطول شرحها؛ أهمها: أنهم ورثوا العداء للمسلمين من أيام الحروب الصليبية، وأنهم يرون الإسلام يحوط اتباعه بسياج قوي لا ينفذ إليه التبشير، وأنه دين يحارب الاستعمار والانتداب، ولا يرضى إلا أن يحكمه أهله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٦