تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فواجب الشرق ألا يشجع هذه المدارس؛ لأنها مأوى التبشير والاستعمار معا، وهي تجعل من نفسها داعية لدين غير دين البلاد، كما تجعل من نفسها حكومة داخل حكومة البلاد ، وفي ذلك إهدار للاستقلال، ومدعاة للفساد.

إن الأمم الحية الحريصة على توحيد كلمتها وتوحيد آمالها، تصب أبناءها في قالب واحد؛ حتى يكونوا متفقين متساندين، أما هذه المدارس فتجعل أبناء البلاد شيعا، كل طائفة تصطبغ بصبغة خاصة، وإذ ذاك تتضارب الميول، وتتنازع الآمال، ويكون أبناء البلد الواحد بعضهم أعداء بعض، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.

الفصل الخامس والعشرون

| الأخلاق الاجتماعية

هنالك أخلاق يصح أن نسميها أخلاقا فردية، وهي التي يقصد بها أول الأمر إلى إصلاح الفرد وترقيته؛ كالصدق والعفة وضبط النفس، وإن كانت آخر الأمر ترقي المجتمع كما ترقي الفرد؛ بطبيعة أن المجتمع يتكون من الأفراد، وهناك أخلاق اجتماعية يقصد بها أول الأمر إلى إصلاح المجتمع؛ كأداء الواجب والتعاون.

ويتجلى هذا التقسيم أيضا في الغرض الذي يرمي إليه الفرد؛ فأحيانا يكون غرضه تحسين حالته الفردية، فيصوغ أعماله وفق هذا الغرض، فقد يقصد - مثلا - إلى أن يكون غنيا، فيوجه أخلاقه وأعماله هذه الجهة، ويشكل حياته التشكيل الذي يتناسب وهذه الغاية، من جد في العمل وحسن سمعة واقتصاد، وما إلى ذلك، وقد يرمي إلى أن يكون عالما، فيتخلق بالأخلاق التي تعده لهذه الغاية من جد وصبر على البحث، وسعة اطلاع وعمق في الدراسة، وبجانب هذا قد يكون غرضه رقي مجتمعه، فيبذل المال لبناء مدرسة، أو تأسيس مستشفى، أو نحو ذلك مما يفيد المجتمع الذي يعيش فيه ويرقيه.

والذي نلاحظه على الشرق عامة أن الأخلاق الفردية تحسنت وارتقت إلى حد ما أكثر مما تحسنت وارتقت الأخلاق الاجتماعية، ولعل أكبر ما يوضح ذلك خلق التعاون، فهو في الشرق على العموم ضعيف، ويتجلى ضعفه في الأعمال التي تحتاج إلى تنظيم الجهود؛ كالنقابات والشركات والجمعيات الخيرية، وما إليها، فهي لا تنجح عادة كما تنجح أعمال الأفراد، وكثيرا ما نسمع بعشرات الجمعيات ومئات اللجان، والعدد العديد من الشركات والنقابات تتأسس ثم لا تلبث أن تفشل، وقد نلاحظ أن ما ينجح منها، وما يقدر له البقاء إنما هو في الحقيقة عمل فرد في شكل شركة، أو نقابة ، أو جمعية؛ فهي ترزق بفرد جاد نشيط أمين، يتحمل العبء كله أو أكثره، ويقوم بمهام الأعمال كلها أو أكثرها، ثم يظن أن العمل عمل جماعة، والنجاح نجاح جماعة، والحقيقة أنه عمل فردي، والنجاح نجاح فردي.

فالأخلاق الاجتماعية لم ترتق الرقي الكافي، والنظر إلى الغاية التي ترمي إلى رقي المجتمع لم يكن متوافرا في الكثير من الناس، وتتغلب النزعة الفردية على النزعة الاجتماعية، ويضعف الشعور «بنحن» عن الشعور «بأنا»، والناس قد يشعرون بحاجة مجتمعهم إلى مرافق كثيرة لعلاج الجهل والفقر والمرض، من مستشفيات وملاجئ ومؤسسات علمية ونحو ذلك، ثم لا يتحركون لإخراج هذا الشعور إلى حيز الوجود؛ لأنه يتطلب عملا تعاونيا دقيقا منظما، وهو ما لم يصلوا إليه بعد؛ ولذلك يخفون هذا النقص؛ إما بكثرة الكلام في وصف العيوب من غير عمل، وإما برمي العبء كله على حكوماتهم، ومطالبتها أن تقوم بكل شيء وهم لا يقومون بشيء.

وربما تجلى هذا النقص الاجتماعي أيضا في الأحزاب السياسية؛ فالانضمام إلى حزب والخروج منه، يبعث عليه في الغالب الأعم نظر العضو إلى مصلحته الشخصية، أكثر من نظره إلى المبادئ الأساسية التي يدعو إليها الحزب، ثم النظر إلى الزعيم؛ من هو، وما صفاته، أكثر من النظر إلى نوع الإصلاح الذي يدعو إليه الحزب، بل إن الأحزاب لا تتميز بالمبادئ وإنما تتميز بالزعماء، وقلما ترى أعمالا عظيمة أنشئت بتبرعات قام بها الأفراد لخدمة المجتمع، والقليل الذي أسس منها كان الداعي إلى التبرع له خشية ذي جاه أو سلطان، أو رغبة في التقرب إلى مدير أو رئيس حكومة أو نحوهما، أكثر من أن يكون الباعث عليه الشعور بالحاجة إلى مؤسسة تصح المريض أو تغيث الفقير.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٧