تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليت المدنية الحديثة في القرن العشرين - وقد برعت في العلم، وتفننت في المخترعات، وتقدمت في كل مرفق من مرافق الحياة - تعود بنظرها إلى قرون عدة حيث الفتح الإسلامي، فترى قانون الحرب وقانون السلم على أسمى ما يكون من الإنسانية فتلتزمه، ولو تم ذلك لأمنت المدن البريئة من الغزوات، وأمن غير المحاربين من الغارات، وأمنت السفن التجارية من الغواصات، وأمن سكان القرى والمدن من الطائرات، ولو تم ذلك أيضا لوضع الصلح يوم يوضع على أساس القومية، ولخير العالم لا خير أمة، ولاستلال الضغائن لا لوضع بذور الضغائن.

لقد مرت على الإنسان دروس حروب كثيرة، ولكنه لم يتعلم منها؛ نعم، تعلم في تقدمه في فن الحرب وكيفية التغلب على الخصم، واختراع المخترعات وإنشاء الاستحكامات، ولكنه لم يتعلم من ويلات الحرب كيف يقضي على الحرب، فلعل الحرب الأخيرة تكون الدرس الأخيرة، فيتعلم جاهل، ويصلح فاسد، وتتعزى الإنسانية عما يصيبها في حاضرها بالخير العام في مستقبلها.

الفصل الرابع والعشرون

| المدارس الغربية في البلاد الشرقية

كانت البلاد الإسلامية تعيش على الكتاتيب المتوارثة منذ العصور الوسطى، فهي تحفظ القرآن، فإن زادت شيئا فهي تعلم طرفا من الحساب، وإذا أراد الطالب أن يتمم تعاليمه ذهب إلى الأزهر أو معاهد تشبه الأزهر، حتى غزتنا المدنية الغربية بالتعليم بعد أن غزتنا بالسيف والنار، وقد بهر الشرقيون أول الأمر بهذه المدارس الغربية؛ إذ رأوا فيها نظاما خيرا من نظام مدارسهم، ومناهج خيرا من مناهجهم، وهم يعلمون الناشئين فيها لغة أجنبية تعليما ناجحا، حتى ليقربوا من أن يكونوا كأهل اللغة أنفسهم؛ طلاقة لسان، وسهولة بيان، وهم إذا تعلموها وضعوا أعينهم على ثروة كبيرة من الآداب الأجنبية، يرون فيها كتبا ومجلات تريهم الدنيا الحاضرة لا الدنيا الماضية، فيقبلون عليها، ويأنفون من لغتهم وأدبها.

لذلك كله استقبلت هذه المدراس بالترحيب ، وتعاونت الحكومات المختلفة على التسهيل لها في مهامها؛ فهي تمنحها أراضي بثمن صوري ليقيموا عليها مدارس، وهي تعفيهم من الضرائب الجمركية على ما يأتي إليهم من أدوات وكتب، بل قد تمنحهم مساعدات مالية، وقد تقدم إليهم مدرسين ليدرسوا لغة البلاد، وتدفع لهم أجورهم، ومن مظاهر إقبال الناس عليها أن أرسل كثيرون من أعيان الناس ووجهائهم أولادهم وبناتهم إلى هذه المدارس، حتى ليرسل بعض وزراء المعارف أولادهم إليها!

وكان من مزاياها أنها خرجت كثيرا من طليعة المصلحين والزعماء، فقد تعلموا فيها، وقرأوا الكتب باللغات الأجنبية التي تمجد الحرية، وتدعو الشعوب إلى الاستقلال، فآمنوا بذلك، وحرضوا شعوبهم على المطالبة بالحريات والاستقلال، ولكن حدثت حوادث كشفت الأخطار التي تؤدي إليها هذه المدارس، فأغلبها يبشر بالنصرانية، ويخدم السياسة الاستعمارية.

فمن أوائل هذه الحوادث في مصر - مثلا - أن جماعة من المبشرين نصرت فتى مسلما، وحملته على أن يعظ الناس في المجامع والكنائس، ويدعو إلى النصرانية، فحز ذلك في نفس السيد جمال الدين الأفغاني، واتفق مع جماعة من الإيرانيين أن يخطفوه وهو يعظ في كنيسة في حي الأزبكية، ففعلوا ذلك، ووضعه السيد جمال الدين في مكان خفي، وذهب هو وتلميذه الشيخ محمد عبده ليقنعا الشاب المتنصر بالرجوع إلى دينه، وبينا له سوء فعلته، فعاد إلى الإسلام، وكان من أثر هذه الحادثة وأمثالها أن تنبه الناس إلى خطر المدارس الأجنبية من ناحيتين: ناحية الدعوة إلى التنصير، وناحية ما عرف عنها من أنها أداة من أدوات الاستعمار.

وحدث أن كان الشيخ محمد عبده عضوا في مجلس المعارف الأعلى سنة 1881، فقدم اقتراحا للمجلس بجعل جميع مدارس الأجانب في القطر المصري تحت مراقبة الحكومة وتفتيشها، فعارض أعضاء المجلس من الأجانب وأمثالهم، ولكنه فاز في ذلك بالأغلبية، غير أن وقوع البلاد بعد ذلك في يد الاستعمار جعل هذا القرار حبرا على ورق؛ فقد كان كبار ساسة الإنجليز؛ كاللورد كرومر عميد الإنجليز في مصر، ومستر دانلوب مستشار وزارة المعارف في مصر، يؤيدون المدارس الأجنبية كل التأييد، ويخدمون المبشرين ما وسعهم، حتى لأعلم أن اللورد كرومر طلب من وزير الأوقاف إذ ذاك أن يلغي مستشفى بنته وزارة الأوقاف في حي مصر القديمة؛ لأنه كان على مقربة من مستشفى هرمن، فوعد الوزير بأنه سينقل المستشفى إلى مكان بعيد عن مستشفى التبشير.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٥