تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعجبني في ذلك تعليل الفقهاء لهذا الرأي بقولهم: «إن الآدمي خلق معصوم الدم ليمكنه تحمل أعباء التكاليف، وإباحة القتل عارض بمحاربته لدفع شر، فمن لم يتحقق شره بقي على أصل عصمة دمه»، بل تجاوز الإسلام حرمة المحاربين إلى حرمة ملكية الأمم المحاربة، فأمر باحترامها والمحافظة عليها؛ فمنع قطع الأشجار وهدم البنيان، وكان من وصايا أبي بكر: «لا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله». •••

ثم أمر الإسلام أمرا باتا حازما حاسما بالتزام ما يعقد من معاهدات، فقال تعالى:

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، و

وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا

وقال:

إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقي .

ولما عقد النبي (

صلى الله عليه وسلم ) الصلح مع قريش، وكان فيه إجحاف بالمسلمين؛ إذ قد اصطلحوا «على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أن من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه»، فارتاع بعض المسلمين من ذلك الصلح، ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم، وصرخ المسلمون الذين ردوا إلى قريش؛ قال رسول الله: «إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم».

وانظر إلى عمر لما اضطر إلى إلغاء عهد من العهود ماذا صنع؟ قدم عليه عمير بن سعد الأنصاري وقال له: «إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها «عربسوس»، وإن أهلها يخبرون عدونا بعوراتنا، ولا يظهروننا على عورات عدونا، ولهم علينا عهد، واستشاره في أمرهم، فقال عمر: «فإذا قدمت فخيرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين، فإذا أرضوا بذلك فأعطهم إياه وأجلهم واخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثم اخربها».

فالقوم هم الذين نقضوا العهد وأساءوا المعاملة، وعمر هو هو الذي رحمهم واحتال عند إلغاء العهد؛ ليكون أعدل ما يكون وأرحم ما يكون، وتاريخ العهد الأول من المسلمين مملوء بمثل هذه الشواهد.

فلم يسمع المسلمون الأولون مطلقا، ولم يخطر لهم ببال ما عبر عنه بعض الممدنين المحدثين بأن المعاهدات قصاصات أوراق، ولم يخضعوا المعاهدات - كما يفعل كثير من الممدنين - لمقياس في المنفعة، فإن كان في نقضها منفعة لهم نقضوها، وإلا احتفظوا بها، بل لم يكن العربي يفرق في التقدير، ووجوب المراعاة بين العقد يمضي، والكلمة الشفوية ينطق بها؛ كلاهما ملزم، وكلاهما واجب التنفيذ. •••

ثم دعا قانون الإسلام إلى تلبية الدعوة إلى الصلح فقال:

وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ؛ لأن الغرض إذا تحقق كان القتال عبثا، ثم كان أساس الصلح لا يستفز عاطفة، ولا يترك في النفوس حقدا، ولا يبعث على تحفز للقتال، فكتب عمر إلى أبي عبيدة في حصاره حلب: «ومن صالحك منهم فاقبل صلحه، ومن سالمك فسالمه»، وكتب لأهل إيلياء (بيت المقدس): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم».

وجاء في عهد حذيفة بن اليمان: «هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان لأهل (ماه دينار)؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية كل سنة إلى من وليهم من المسلمين، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل وأصلحوا الطرق وقروا جنود المسلمين من مر بهم فآوى إليهم يوما وليلة، ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة»، وأمثال هذا كثير. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٤