ولعل من أروع هذه القوانين قانون الحرب في الإسلام، فمنذ ثلاثة عشر قرنا ونصف شرع الإسلام قوانين بلغت الغاية في تقدير الإنسانية، وبث الرحمة في النفوس، والدعوة إلى الرفق.
من ذلك أن لا حرب قبل الدعوة؛ لأن غرض الإسلام من الحرب ليس المال ولا الغنائم ولا الاستعمار، وإنما غرضه نشر دعوة يرى فيها الخير للإنسانية، فمن قبلها، أو قبل الخضوع لأحكامها، أو لم يمانع في سبيل نشرها، كان آمنا على نفسه وعلى ماله، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، لا عبرة باللون من أبيض وأسود، ولا عبرة بالدم ولا بالجنسية، ولا بنحو ذلك مما تعيره الأمم الحديثة أكبر اهتمام، فالمسألة ليست حرب أجناس ولا حرب أوطان ولا حرب أمم، إنما هي في نظر الإسلام حرب مبادئ صالحة تنفع الإنسانية لمبادئ تضر الإنسانية، فالأخوة في نظره أخوة مبادئ، لا أخوة دم، ولا أخوة جنس، ولا أخوة وطن.
وكان مما أوصى به أبو بكر الجيش الذي بعثه في حروب الردة: «أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلا، فإن أذن القوم فكفوا عنهم ... وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم».
ولذلك لما تسرع خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة بعد أن أظهر الإسلام، كان في ذلك موضع المؤاخذة، وطلب عمر من أبي بكر أن يقتص منه، ولكن أبا بكر قبل عذره وودى مالكا من بيت مال المسلمين، وأسرها عمر في نفسه، حتى إذا ولي الخلافة عزل خالدا عن الإمارة. •••
فلا تكون حرب حتى تكون دعوة، وحتى يكون رفض ممن وجهت إليهم الدعوة، فإذا وقعت الحرب فهناك قيود للجيش المحارب ينبغي ألا يعدوها، ولعل أوضحها وأجمعها ما روي أنه: «لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام خرج معه أبو بكر يوصيه، ويزيد راكب، وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد، إنكم ستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع (يعني الرهبان) فاتركوهم وما حبسوا أنفسهم له ... ولا تقتلوا كبيرا هرما، ولا امرأة، ولا وليدا، ولا مريضا، ولا راهبا، ولا تخربوا عمرانا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تغدر ولا تمثل، ولا تجبن، ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله لقوي عزيز، أستودعك الله وأقرئك السلام، ثم انصرف».
وقال عمر: «اتقوا الله في الفلاحين، فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب»، ومر رسول الله (
صلى الله عليه وسلم ) في غزوة من غزوات المشركين بامرأة مقتولة ذات خلق، اجتمع الناس عليها، فقال رسول الله: «ما كانت هذه لتقاتل!» وسأل: «من قتل هذه؟» فقال رجل أنا أردفتها خلفي، فأرادت أن تقتلني فقتلتها، فأمر النبي (
صلى الله عليه وسلم ) بدفنها.
وروى ابن عباس أن رسول الله (
صلى الله عليه وسلم ) «كان إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع».
وقال رسول الله (
صلى الله عليه وسلم ) مرة: «لا تقتلوا الذرية في الحرب»، فقالوا: يا رسول الله، أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟».
من كل هذا نرى أن القانون الإسلامي حصر الحرب في دائرة من جندوا للحرب، ومنع حرب من لم يجند ، إلا أن يكون له من الوسائل ما يساوي القدرة على الحرب، كأن يكون شيخا، ولكنه يساهم في إبداء الرأي وتدبير المكايد، فإنه إذ ذاك يعد محاربا، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدريد بن الصمة؛ لأنه كان مع تقدم سنه يمد قومه بالرأي في الحرب، فأمر رسول الله بقتله، أما من عدا هؤلاء فقد حفظت دماؤهم، وحوفظ على حقهم في الحياة.