تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي التعليم أنواع تتبع الأنماط الإسلامية في عصورها، وأنماط تتبع المدنية الحديثة في مظاهرها وأشكالها، وهكذا فإن أنت نظرت إلى أية أمة أوربية في كل مظاهر الحياة من لغة وتعليم وملبس ومظهر اجتماعي، رأيت فيها وحدة رغم الاختلافات السطحية، وإن أنت نظرت إلى حياة المسلمين في كل مرفق من هذه المرافق لم تجد هذه الوحدة، ووجدت الخلاف في الصميم: نرى نزعات تتجه نحو تاريخهم ودينهم ومدنيتهم القديمة، ونزعات تتجه نحو المدنية الحديثة، ولا رابطة تربط هذه النزعات.

وترى ناحية من نواحي المدنية الحديثة تطغى وتكثر ولا يماثلها ما يقابلها، فيطغى - مثلا - في الشرق لهو أوربا من خمر ورقص وحياة مترفة، وهي كثيرة في أوربا كثرة تفوق بمراحل ما في الشرق، ولكنها في أوربا تتعادل وتتوازن؛ فلهو كثير يزنه جد كثير، وإجرام يوازنه حزم، وليس كذلك في الشرق؛ فلهو لا يعد له جد، وإجرام لا يوازنه حزم، وعلى هذا النمط يختل التوازن، وتفقد الأمة قوتها الحيوية، ولا يمكن أن تصلح هذه الحال إلا إذا توافر جماعة من خير الأمة على دراسة الموقف الاجتماعي للمسلمين والشرق، دراسة عميقة مسلحة بما وصل إليه علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، ثم يضعون بعد هذه الدراسة الأكاديمية خططا للسير في هذا الظرف العصيب؛ ظرف الانتقال؛ يعرفون الداء ويصفون الدواء، يعلمون مدنيتهم القديمة والمدنية الحديثة ومعايب كل، ومزايا كل، ويعلمون الحالة النفسية لأممهم وما يناسبهم وما لا يناسبهم، ويبينون «خطة الانتخاب»؛ يعرفون مناحي اختلال التوازن وأسبابها، ويرسمون طريقة إعادة التوازن.

والأمر الثاني:

من نتائج انتشار المدنية الحديثة بين المسلمين أمر يناقض الأول ويكاد يسير سيرا عكسيا معه؛ ذلك أن انتشار التعاليم الجديدة للمدنية الحديثة واضطرار الأوربيين لتأليف فرقة من المسلمين يتكلمون لغتهم، ويتعلمون مناهجهم، ويتشربون مبادئهم، أمكنت هذه الطائفة من الاطلاع على المبادئ التي تدعو إلى الديمقراطية، وتبث روح الوطنية فكان من ذلك أن أشربوا روح الثورة؛ نظروا إلى أممهم بالعين التي نظرت إلى هذه المبادئ فأيقنوا بحقهم في الحياة، وحقهم في الاستقلال، وحقهم أن يساهموا في بناء صرح المدنية، وأن يشاركوا في تحمل أعباء الإنسانية، وزادهم عقيدة في ذلك ما رأوا من أن أوربا تحكم آسيا وإفريقيا على قاعدة مختصرة موجزة واضحة طبيعية، وهي أنها تتجه في تسيير آلات الحكم إلى منفعتها هي، فحيث اتفقت مصلحة آسيا وإفريقيا مع أوربا نفذت المصلحة المشتركة، وحيث اختلفت مصلحة آسيا وإفريقيا مع مصلحة أوربا فطبيعي أن تنفذ مصلحة أوربا، وقد ينظر في تقدير المصلحة النظر الضيق القريب لا النظر الواسع البعيد.

كان من جراء هذا وذاك وجود الاصطدام وشعور الشرق بالغبن، وقيام الطائفة المتعلمة على النمط الحديث ببث روح الوطنية، وعملت هذه الحركة في النفوس سنين، وتكفل الزمن بأن يظهر كل حين وآخر حادثة تفتح عيونهم وتقوي شعورهم، فكان القلق في كل مكان في الشرق؛ في مصر، في تونس، في الجزائر، في مراكش، في فلسطين، في الشام، في العراق، في الهند، في غيرها من البلدان، قلق اقتصادي، وقلق وطني، وقلق ديني، هذا القلق أنتج وليدا جديدا هو ما وصفته قبل، ماذا ينتهي إليه هذا القلق؟ ماذا يكون شأن هذا الوليد ؟ ما تاريخه المستقبل؟ هذه الأسئلة وأمثالها خارجة من عنوان مقالنا، وهي بعنوان «المسلمون غدا» ألصق وأليق، وكل ما أعلمه الآن وأريد أن أقوله عن هذا الطفل أنه «لن يموت».

الفصل الثالث والعشرون

| قوانين الحرب في الإسلام

في الوقت الذي تحمل إلينا فيه الأنباء تدمير المدن الأوربية الآهلة بالسكان

1 ، واحتمال عودة حرب الغازات السامة، وتخريب الطيارات والغواصات لكل ما تصل إليه، بكل ما تستطيع من قوة، ونحو ذلك من ويلات الحروب التي يعجز القلم عن وصف هولها - يلذ القارئ أن يعود إلى التاريخ يستعرض فيه التشريع المختلف للحرب، والأنظار المختلفة في تقدير الإنسانية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٢