تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء العلم فخدم هذا النظر؛ لأنه رقى الصناعات رقيا عظيما بفضل ما يقدمه لها كل يوم من مكتشف جديد، وبجانب هذا تحكم العلم في تقويم الأخلاق، فغير الأنظار القديمة، وجعل المقياس سعادة الناس ورفاهيتهم في الحياة الدنيا، ولم يعبأ بالتقدير المأثور عن السلف، فنظر من جديد إلى الموسيقى والألعاب وسائر الفنون وحكم بالحسن على ما كان يحكم عليه من قبل بالقبح، وعد كثيرا مما كان قبل إثما وحراما وجريمة محمدة وخيرا وفضيلة، ورأى أن ما في حياة القرون الوسطى من رهبنة واعتكاف في الأديرة والتكايا ونحو ذلك، عيشة كسل وخمول لا تتفق وخير الناس «فمن لم يعمل لا يأكل».

جرى كل هذا والمسلمون حائرون بين تقاليدهم القديمة وما تقدمه المدنية الحديثة من نظر جديد، والزمن لا ينتظرهم في حل الإشكال واختيار أحد الطريقين، فلما ترددوا جرفهم طوعا أو كرها من غير أن ينظرهم حتى يبتوا فيما يتفق وأخلاق المدنية الحديثة مع تقاليدهم ودينهم وتاريخهم، وما لا يتفق.

ويطول بنا القول لو عددنا كل مرفق من مرافق الحياة وأبنا ما أصابه من ركود، فنجتزئ بما ذكرنا من أمثلة للدلالة على باقيها. •••

ثارت أوربا في التاريخ الحديث ثورات سياسية وثورات صناعية، كان من نتائجها تغيرها تغيرا كبيرا في القرن التاسع عشر؛ فمن الناحية السياسية حلت الديمقراطية محل الأرستقراطية بما يتبع ذلك من تغير في النظم والتشريع، ومن الناحية الصناعية، حلت المصانع الكبيرة والشركات والسكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات والكهرباء محل المظاهر الساذجة من صناعات يدوية، وحمل على الخيل والبغال، واستنارة بالشمع والزيوت، وما إلى ذلك.

وهذا التغيير السياسي والصناعي هو ما نسميه بالمدنية الحديثة، وتبع هذا التغير الداخلي في أوربا تغير آخر خارجي، فقد اتجهت أفكار قادة الرأي فيهم إلى غزو آسيا وإفريقيا، وكان الباعث لها على ذلك جملة أمور:

أولها:

اقتصادي، وهي أن تجد لها في الشرق أسواقا لصناعاتها التي ذكرنا، ولتجد لها في الشرق مواد أولية لتغذية صناعتها،

وثانيها:

وطني، وهو أن كل أمة من أمم أوربا فشت فيها النزعة الوطنية، وامتلأت نفوس أهلها حمية، ودفعها ذلك لأن تتطلب كل أمة قوة المظهر داخلا وخارجا، ومن أهم ذلك، التوسع في الاستعمار وبسط النفوذ، والفخر بلون الخرائط.

وثالثها:

وهو أقل من الأولين شأنا، الدافع الديني؛ فقد دفع قوما من أوربا لنشر الدعوة المسيحية في البلاد الإسلامية، واستعانوا بالسلطة على حمايتهم.

على كل حال، حمل الأوربيون إلى آسيا وإفريقيا مدنيتهم مع فتحهم، وكان لا بد لهم أن ينظموا الحال فيهما بما يتفق والنظام السائد عندهم؛ ففي التشريع لا بد أن تسود المبادئ القانونية السائدة في أوربا؛ حتى تسهل التجارة، ويأمنوا على معاملتهم للشرقيين، ولا بد من انتشار المدنية الحديثة بآلاتها وأدواتها؛ حتى تروج في الشرق البضائع الأوربية، ولا بد أن يتعلم طائفة من المفتوحين على النمط الأوربي الحديث، وأن يكونوا هم المتولين المناصب الكبيرة؛ حتى يمكن التفاهم معهم في تسيير الشئون.

وهكذا، كان من أثر انتشار هذه المدنية بين المسلمين نتائج كثيرة؛ أهمها فيما يظهر لي أمران:

الأول:

اختلال التوازن بين الأمم الشرقية عامة، والأمم الإسلامية خاصة، وأكبر ما تمنى به أمة اختلال توازنها؛ ذلك أن المدنية الحديثة بما استتبعها من تغير في مظاهر الحياة الاجتماعية ومن تعديل في قيم الأخلاق، كانت نتيجة لثورات داخلية شبت، وآمال وآلام جاشت في صدره، وتجارب جربها وأخطأ فيها فأصلح خطأه، وهكذا كانت حركاته سلسلة متصلة تسلم حلقة منها إلى حلقة، وتسير في التدرج فيها سيرا طبيعيا.

أما في الشرق فجاءته هذه المدنية لا من داخل نفسه بل من خارجها، وفرق كبير بين ما دعت إليه الطبيعة وما دعا إليه التقليد، ولاختلال هذا التوازن مظاهر كثيرة؛ فإن نظرت إلى القضاء فقضاء شرعي في الأحوال الشخصية يطبق نظم المدنية الإسلامية، وقضاء أهلي يطبق نظم أوربا ممصرة وقضاء مختلط يخالفهما، وفي الحياة الاجتماعية، نرى قرى لم يتأثر أهلها بالمدنية الحديثة في قليل من شئونهم ولا كثير، ومدنا تأثرت إلى حد كبير بها حتى في أدق أمورها، ولعل خير ما يمثل مظاهرنا المختلفة المضطربة اختلاف ملابسنا وتعدد أشكالها، مما لا يعرف له نظير في أوربا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١١