تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من نحو خمسة قرون فقد المسلمون مركزهم العالمي، وأصبحوا حيث حلوا عنوان الذل والعبودية، وحلفاء الفقر والمسكنة، ولم يكن تأخرهم راجعا إلى بيئتهم كما يذهب بعض الباحثين، فهم يسكنون بيئات تختلف حرارة وبرودة، وتختلف خصبا وجدبا، وتختلف جفافا ورطوبة، وهم مع ذلك في مستوى واحد من الضعة والتأخر، على أن الأمر لو كان يرجع إلى البيئة ما تداول عز وبؤس ونعيم وشقاء، وسيادة الأشراف وصعلكة العبيد، ولكانوا على حال واحد أبدا؛ لأن البيئة تلازمهم أبدا.

كما أن الأمر لا يرجع إلى ما يجري في عروقهم من دم؛ فدمهم الذي يجري فيهم اليوم هو من نوع الدم الذي كان يجري في عروقهم أمس، وقد بطلت نظرية أن الله اختار من عباده جميعا شعبا واحدا عهد إليه تنظيم العالم وسيادته، هو الشعب النيوتوني أو الشعب الآري، فليس من أمة إلا وهي خليط من دماء مختلفة، ولو كان كذلك لما عزوا وذلوا وعلوا وسفلوا.

وليس أمر المسلمين كذلك يرجع إلى دينهم؛ فدينهم قديما كان هو سبب سعادتهم، وهو الذي انتشلهم من بؤس وأعزهم من ذل، والدين متى كان صالحا في أسسه؛ كالإسلام، كان باعثا على الإصلاح لا الفساد، وعلى النهوض لا الانحطاط، إنما هو ككل دين يختلف باختلاف العين التي تنظر إليه، فإن صلحت العين صلح ما تنظر إليه، وإن ساءت ساء، بل قد رأينا في تاريخ الأمم عينا صحيحة ودينا مريضا استطاعت العين لصحتها أن تصلح منظره وتجمل شكله.

على أني لا أرى أن المسلمين تأخروا وانحطوا بالمعنى الحرفي الذي يفهم من الكلمة؛ أعني الرجوع إلى الوراء، بل كل ما في الأمر أنهم وقفوا حيث كانوا من خمسة قرون، وغيرهم سائرون، وناموا وغيرهم أيقاظ، فلما بدأوا ينتبهون رأوا الشقة بعيدة، واللحاق يتطلب عزما قويا وجهدا بالغا.

مظاهر هذا الوقوف - وإن شئت فسمه الركود - متجلية في كل مرفق من مرافق الحياة؛ ففي اللغة - وهي أداة الثقافة، وآلة العلم، ووسيلة الرقي العقلي - وقفنا حيث انتهى الأمر بالدولة العباسية، ولم نساير الزمن ولم نخط معه خطواته، تغير وجه الحياة، واخترعت ألوف الآلات، ومعاجم لغتنا كما هي، لا تعترف إلا بما كان، وتهمل ما هو كائن وما سيكون، فلا هي توسعت في مدلول الكلمات العربية ووضعت منها أسماء للجديد، ولا هي سمحت بالكلمات الأجنبية أن تدخل من غير تعديل أو بتعديل، والخلاف محتدم، والنزاع قائم، ومركزنا كما هو لم نتقدم فيه شبرا، مع أنا واجهنا هذا الأمر منذ احتكاكنا بالمدنية الحديثة، وحرنا في تصرفاتنا؛ فحينا ندرس كثيرا من المواد في مدارسنا بلغة أجنبية، وحينا تأخذنا العزة القوية فنحولها إلى العربية، والنقص كما هو، والموقف كما هو.

وفي التشريع تغير العالم في معاملاته، فأنتجت المدنية الحديثة أنواعا من المعاملات عديدة، وأنواعا من الجرائم جديدة، ونظما في الحكم والقضاء، فأبى رجالنا إلا أن يقفوا حيث هم، أبوا أن يفتحوا أعينهم لأنواع الشركات إلا ما نص عليه في الكتب القديمة من شركة مفاوضة ووجوه وعنان، وأبوا أن ينظروا إلى نظام الجمارك إلا ما ورد في كتب الفقه في باب العاشر، وأبوا أن ينظروا في جرائم الكيوف والاختلاس والتزوير إلا ما جاء في باب التعزير، فكان من الزمن أن تركهم فيما هم فيه، وسلب من يدهم أوسع أبواب التشريع، وهي ما يتعلق بالمسائل المدنية والعقوبات، واستمد من قانون نابليون؛ إذ أبى بالعلماء أن يمدوه بالفقه، أو لم يترك في يدهم إلا الأحوال الشخصية إلى حين.

وكان موقفنا في الأخلاق موقفنا في اللغة والتشريع؛ فالمدنية الحديثة كان لها من الأثر ما غير قيم الأخلاق، وقلب أوضاعها، وطبعها بطابع جديد؛ ذلك أن أكبر أسس المدنية الحديثة وأهم أركانها الصناعة، ومن أجل هذا قومت الأخلاق من جديد على أساس الصناعة، ورتبت قائمة الأخلاق ترتيبا يتفق والصناعة، فخير الأخلاق النظام، والنظافة، والصدق في المعاملة، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد، وما إلى ذلك، وجعلت هذه الصفات في المنزلة الأولى، ووضع للعمال نظم لحمايتهم وترقية شئونهم من نقابات وجمعيات، وقلبت القائمة التي وضعت في القرون الوسطى رأسا على عقب؛ فالحياء والتواضع والسماحة ونحوها قل أن تعد فضائل، وإذا سمح بعدها ففي ذيل القائمة؛ لأنها لا تتناسب مع أخلاق القوة وأخلاق الصناعة؛ فليس خير الصناع أشدهم حياء وأكثرهم تواضعا، ولكن خيرهم أقواهم وأمهرهم، وأحفظهم على نظام، وأشدهم مراعاة لموعد، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢١٠