تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن نظرت إلى النظم والتشريع فكذلك؛ قد أقلم المشرفون أنفسهم وكانوا حيث حلوا مرنين يقفون موقف المتفهم للموجود من نظم وقوانين، ثم يقرون ما لم يتعارض وأصول دينهم، ويغيرون أصول ما تعارض، ووقف الفقهاء في كل قطر يوسعون مذاهبهم حسب الحاجة وحسب الإقليم الذي حلوه، وخلفوا من كل ذلك قوانين لا تزال إلى اليوم محل إعجاب المنصفين من المتشرعين.

وإن التفت إلى العلم رأيت أنهم في كل فرع من فروع العلم أخذوا بحظ وافر، لم يمنعهم دينهم أن يأخذوا عن وثنيي اليونان فلسفتهم، ولا عن النساطرة طبهم، ولا عن اليهود ما يروون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأبلوا في العلم بلاء لا يقل عن بلائهم في الحرب؛ فحيث حلوا رأيت علما كثيرا وجدا عجيبا، ثم خلفوا من كل ذلك ثروة فيها غاية ما وصل إليه العلم لعهدهم؛ فهموا ما كان من علم قبلهم، وتداولوه بالشرح والنقد، وضموا إليه ما أوحته نظرات دينهم من علوم إسلامية ومذاهب دينية، وزادوا في ثروة من قبلهم بما بذلوا من جهد وأنفقوا من مال ونفس.

فلم لم يكونوا سادة العالم ؟ فقد كانوا سادة في العالم، وإن لم يكونوا رأسه المفكر، فقد كانوا رأسا من الرءوس، لا عبيدا ولا أذنابا، ووقفوا في بعض أيام تاريخهم من العالم موقف المعلم؛ يرحل من أراد العلم من الأوربيين إليهم، وينقلون إلى اللاتينية كتبهم، ويدرسون في جامعاتهم علمهم، وفي السياسة العالمية وقفوا موقف الموازن، يسمع لقولهم ويحسب حسابهم، وتعقد المعاهدات المحترمة معهم. •••

ثم دار الزمن دورته وأصبح سادة الأمس عبيد اليوم، ورءوس الأمس أذناب اليوم، وشباب الأمس هرم اليوم، وقضى على حضارتهم ما قضى على حضارة اليونان والرومان والآشوريين والبابليين وقدماء المصريين، إلا فرقا واحدا، وهو أن حامل لواء الحضارة الإسلامية لا يزال حيا وإن كان شيخا فانيا، وإن الشيخ إن لم يصب بالعقم فقد يلد طفلا يمر بأدوار الحياة، ومنها الشباب، وإن الأمم إن لم تمت فلها أيام، فقد يكون للإسلام فجر، وضحى، وعصر، وغروب، ولكن لا يلبث الليل حتى ينجلي عن صبح آخر فيه كل صفات الصباح، من نور وضياء، وإشراق يدفع للحركة، ونسيم يبعث الحياة.

وبالفعل يظهر أن هذا الشيخ الفاني قد مات أو كاد، وأن الله فالق الإصباح ومخرج الحي من الميت لم يصبه بالعقم، ووهبه ما وهب زكريا

إذ نادى ربه نداء خفيا * قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا .

ولكن إن ورث «يحيى» من زكريا علما وحكمة فإني أخشى أن يرث «يحيانا» تركة قد أثقلت بالديون وأفعمت بالمغارم، فهل من سبيل إلى أن يرث من آبائه الأبعدين لا من آبائه الأقربين؟ يحدثنا علماء الوراثة بأن ذلك جائز في قوانينهم، وأن بعض الأبناء يرث من جده الأبعد لا من أبيه الأقرب.

وإن كان ذلك كذلك فخير له؛ فإن أباه أشعث أغبر، لوحته الهموم وأحنت ظهره الأحداث، أما جده البعيد فجميل المحيا، مشرق الجبين، صارعه الدهر فصرع الدهر، وأرادت أن تنال منه الأحداث فنال منها، ولكن أنى لنا ذلك، ومربوه من جنس أبيه، فإن لم تفسده الوراثة أفسدته البيئة، وأفسده المربي، وأفسده الموالي من ورائه يكيدون له ويضعون الخطط تلو الخطط لاغتياله!

لا يكون ذلك حتى يرزق «يحيى» بالمثل الصالح والمربى الصالح، يفتح عينيه ليرى ما حوله، ويضع له البرامج ليعده أن يكون سيدا مع السادة ورأسا بجانب الرءوس، يبني صرح المدنية مع بناته، ويشيد العالم مع مشيديه، فإن كان العالم لا يسع إلا مدنية واحدة شارك فيها، وإن كان يسع مدنيتين فأكثر أسس هو مدنية تتفق وروحه، وعقليته ونفسيته، ودينه وخصائصه. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٠٩