على أن من العدل أن نقول إن التبعة في ذلك كله لا تقع على الغربيين وحدهم، فإن هناك عوامل في المسلمين أنفسهم جعلتهم في هذا الموقف الحرج؛ فهناك علماء جامدون ضيقوا العقل، وقفوا موقفا مزريا في تاريخ المسلمين، وعاقوا رقيهم وتقدمهم، فكان كلما حاول الإصلاح محاول ثاروا عليه باسم الدين؛ إن أراد إصلاح المحاكم ثاروا عليه ورموه بالمروق، وإن أراد تنظيم الإدارة الحكومية قالوا لا عهد لنا بهذا، ويجب أن نتتبع آباءنا وإنا على آثارهم مقتدون، وإن أراد تعليم المرأة قالوا ما بهذا أتى الدين!
وهكذا كانوا حجر عثرة في سبيل كل مصلح حتى عظم الخطب، واشتد الكرب، وأولو الأمر في المسلمين إذ ذاك لم يكن يهمهم إلا شهواتهم وفخفختهم الكاذبة، ومظاهرهم الخادعة، أما الاتجاه الصحيح إلى ترقية رعيتهم وتثقيفهم، وتنوير أذهانهم، ونشر العدل بينهم فكانوا قلما يأبهون له؛ فهؤلاء وأولئك كانوا السبب في أن يقف المسلمون هذا الموقف الذي شكونا منه من قبل.
ومع هذا فتنبه المسلمين اليوم، وسير حركات الإصلاح بينهم سيرا حثيثا، يدعونا أن نؤمل قرب اليوم الذي يتبوأون فيه مكانتهم اللائقة بهم، فإذا قارنت هذه النهضة الداخلية في رقي الفكر السياسي عند الغربيين، وتعديل نظرتهم نحو المسلمين كان من وراء ذلك كله نهضة جدية يبني فيها المسلمون في المدنية بناء صالحا مصبوغا بعقيدتهم وأفكارهم، فنرى إذ ذاك فلسفة خاصة وثقافة خاصة، وروحانية خاصة، قد تلون المدنية الحديثة عامة بلون خاص غير لونها الحالي.
الفصل الثاني والعشرون
| المسلمون أمس واليوم
في نحو ثلاثة وعشرين عاما استطاع محمد رسول الله (
صلى الله عليه وسلم ) بما منح من قوة العقيدة، وصدق العزيمة، وبعد النظر، وتأييد الله، أن يحول العرب من جماعات مختلفة اللغة، مختلفة الدين، مختلفة الرأي، مختلفة الأهواء، تشعر بالضعة إذا قارنت نفسها بمن حولها، وبالذلة إذا رأت من في جوارها، لا يفكر الفرد فيها إلا في نفسه، فإن اتسع أفقه ففي قبيلته، فإن فكر في قبيلة أخرى ففي الانتقام والأخذ بالثأر، وشن الغارة للسلب والنهب - إلى أمة واحدة، متحدة اللغة، متحدة الدين، متحدة الرأي، يشعر الفرد فيها أنه من أمة أعزها الله بالإسلام، وفضلها به على الأنام، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وليس ذلك بالكثير في تاريخ الأمم.
فإن مات محمد (
صلى الله عليه وسلم ) ولم يتعد إصلاحه جزيرة العرب، فقد أعد أمة لإصلاح غيرها، ولسيادة الناس خير إعداد، حتى إذا وجهها قادتها نحو الفتح، أتوا بما حير علماء السياسة والاجتماع والتاريخ إلى اليوم؛ بسطوا سلطانهم على جزء كبير من العالم في أقل من عشر سنين، ولم يكن فتحهم تخريبا وتدميرا، إنما كان فتحا منظما أحكمت قواعده وأصوله، واستمروا ينتقلون من فتح إلى فتح، ومن ظفر إلى ظفر، مما يجعل الباحث يقتنع بأن نجاحهم لم يكن حظا أتيح لهم، ولا مصادفة وقعوا عليها، إنما كان نتيجة مبادئ صحيحة اعتنقوها، ونفوس قوية حتمت صدورهم عليها، ومع ما عرض لهم من خلاف فيما بينهم كان من طبيعته أن يودي بأمثالهم من حروب داخلية ومنازعات سياسية وخلافات دينية، تغلبوا على كل ذلك، ولم يمنعهم من الظفر بعدوهم واستمرارهم في فتوحهم.
ثم هم ساهموا في كل شأن من شئون المدنية؛ إن نظرت إلى الدين فقد دعوا إلى دينهم فدخل الناس فيه أفواجا في هدوء من غير عنف، ولم يمض قرنان على فتحهم حتى كان أكثر البلاد المفتوحة على دينهم، ثم هو لا يزال ينتشر إلى اليوم مع انعدام الدعاة وعدم حماية الدعوة، وإن نظرت إلى اللغة رأيتهم هيئوا لغتهم لكل جديد ووسعوها - وهي البدوية الأصل والمنشأ - حتى أحاطت بكل مرافق المدنية إذ ذاك، وحتى زاحمت الفارسية في فارس، والرومانية في الشام، والقبطية في مصر، وسارت مع الدين جنبا لجنب، كلما ظفر الدين ظفرت اللغة، وكسبت لغتهم قادة الفكر في كل هذه الأمم المفتوحة، فأصبحوا يمنحونها خير أفكارهم وأفكار أممهم، وظلت اللغة العربية تسود حتى نسي كثير من الأمم لغتهم الأصلية، وأحلوا محلها العربية، ولو لم يعتنقوا الإسلام.