تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي القرن الثالث عشر كانت كل كتب ابن رشد تقريبا قد ترجمت إلى اللاتينية ما عدا كتبا قليلة، منها كتاب تهافت التهافت الذي رد به على تهافت الفلاسفة للغزالي، فقد ترجمت في القرن الرابع عشر.

وكان أهم مركز لتعاليم ابن رشد في جامعة بولونيا وجامعة بادوا

Padua

في إيطاليا، ومنهما انتشرت هذه الثقافة في إيطاليا الشمالية الشرقية إلى القرن السابع عشر، واستمرت كتب ابن سينا في الطب سائدة إلى ما بعد هذا العصر.

ورجال النهضة الحديثة الذين قاموا بحركة الثورة الفكرية كانوا يدرسون على هذه الكتب، أو يتتلمذون لمن درسوا عليها، فروجر بيكون الذي سبق أهل زمنه في معارفه وطريقة بحثه أخذ ثقافته العلمية من الأندلس، ودرس فلسفة ابن رشد، والقسم الخامس من كتابه في البصريات

Optics

مستمد ومساير لكتاب ابن الهيثم في هذا الموضوع نفسه.

وطالما ارتفعت شكوى رجال الدين في الأندلس من أن المسحيين يدرسون علم العرب المسلمين، وعابوا مطران أشبيلية لأنه يدرس في جد فلسفة الكافرين؛ يعنون المسلمين.

وعلى كل، فجملة الأمر في مدنية المسلمين كما لخصها الأستاذ لكي

Lecky

خير تلخيص، إذ قال:

لم تبدأ النهضة الفكرية في أوربا إلا بعد أن انتقل التعليم من الأديرة إلى الجامعات، وإلا بعد أن حطمت العلوم الإسلامية، والأفكار اليونانية والاستقلال الصناعي، سلطان الكنيسة. •••

هذا هو موقف المسلمين أمس من المدنية، ولا بد أن نلقي نظرة على موقفهم اليوم من المدنية الحديثة، ومما يؤسف له حقا أن نقول إن المسلمين لا يشتركون اليوم في بناء صرح المدنية اشتراكا كبيرا؛ لأن حديثهم هو تقليد للمدنية الحديثة، وقديمهم هو مدنية القرون الوسطى، فهم في الصناعات والمخترعات ونظم الحكومات والإدارات، وفي كتبهم التي تؤلف في العلوم الحديثة من جغرافيا وتاريخ وطبيعة وكيمياء وما إليهما، ونظام مدارسهم الحديثة ومحاكمهم وقوانينهم، كل هذا يقلدون فيه المدنية الغربية، وكلما زاد التقليد فيها عدت أقرب إلى الكمال، وقديمهم من مثل دراسات علومهم كالنحو والصرف والفلسفة الإسلامية، ومن مثل قضائهم في المحاكم الشرعية، ومن مثل مدارسهم الدينية، ونحو ذلك، كلها على نمط مدنية القرون الوسطى؛ فهم - في ظاهر الأمر - لا يضعون أحجارا كبيرة في بناء المدنية الحديثة، ولا يلونونها بلون خاص، ولكن هل الذنب في ذلك ذنب الإسلام والمسلمين؟

إذا عرضت نفسك لتبني فمنعك صاحب البناء بالقوة، فالذنب ذنب من منع لا من منع، وهكذا الشأن في موقف المسلمين، لقد سبقهم الغربيون باستخدام العلم في قوة تسلحهم إلى أقصى حد يمكن فيه استخدام العلم، فوجهوا هذه القوى الهائلة إلى الشرق، ولم يكن قد صحا بعد من سباته الذي سببه ما فسد من عقيدته، وما فسد من سياسته، وما فسد من شئونه الاجتماعية، فسلط عليه الغرب نظرة استغلال فساعده على كل ما يفيد الاستغلال، ومنعه من عمل كل شيء يفيد الاستقلال، فهو إذا أراد أن يتثقف كما يشاء، أو يرقي شئونه الاجتماعية كما يشاء، أو أن يحكم نفسه كما يشاء، أو أن يرقي أخلاقه كما يشاء، منعه الغرب من ذلك حرصا على فائدته في هذا الاستغلال، والشرق لا يستطيع أن يقاوم إلا بالقوة، والقوة محرمة عليه؛ فهل بعد بذلك هو الذي يتحمل تبعة عدم اشتراكه في البناء؟!

إني لأرجو أن الزمن ورقي الأفكار السياسية التي تخطو هذه الأيام خطوات سريعة تجعل الغربي ينظر إلى الشرق نظرة تعاون، فيدرك أن طريقة الاستغلال ليست أصلح الطرق حتى من الناحية الاقتصادية، وأن رقي الشرقي والسماح له بالبناء يزيد في صرح المدنية ويرفع بناءها، ويسرع في علو شأنها، وكما تبين للناس أن نظام الإقطاع وتسخير الملك للعبيد لم يكن في مصلحة الملاك ولا العبيد، فحطموا هذا النظام من أساسه، وأسسوه من جديد على تحرير العبيد وتعاون الملوك والمستأجرين، وأرباب الأموال والعمال، فكذلك سيكون الشأن مع الحاكمين والمحكومين؛ يتعاونون ولا يتقاتلون، ويتفاهمون ولا يتنازعون، ويتحاكمون إلى الرأي والعقل لا إلى القوة والسلاح، وأرجو ألا يكون ذلك بعيدا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٠٧