تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن فقد العربي حياته في القتال فلا بأس، فإنما يعجل ذلك قربه من الله، وإذا فقد الفارسي أو الروماني نفسه فيا لها من خسارة؛ فقد حرم الخمر، وحرم النساء، وحرم متع الحياة، فإذا قاتل العربي قدم حياته فحفظت حياته، وإذا قاتل الآخر قدم عدده وادخر حياته فخسر عدده وحياته؛ لم يتغير شيء في حياة العربي عند ظهور الإسلام إلا عقيدته، وكل شيء تغير غيرها فبسببها.

وقد كنت أود أن أقتصر على الكلام فيها لولا أن هناك ناحية أخرى تهمنا كأثر قوي في بناء المدنية، وهي «أثر الثقافة الإسلامية في المدنية»؛ فهي من جهة أكبر أثر للعقيدة، ومن جهة أخرى أقوى مركز ترتكز عليه المدنية، لهذا سنحصر قولنا في هاتين الناحيتين، وفيهما الغناء.

أولا: العقيدة الإسلامية

كان العرب في جاهليتهم يعبدون الأصنام، وقد اتخذت كل قبيلة إلها من صنم أو وثن، وقدمت إليه القرابين، وجعلته الآمر الناهي، وهو طور تكاد تكون الأمم كلها قد مرت عليه، وإن اختلفت أسماء أصنامها باختلاف بيئاتها؛ ذلك لأن في طبيعة الناس الإيمان بقوة فوق قوتهم، تدفع عنهم الشر وتجلب لهم الخير، وتحيي وتميت، وتخلق وتفني، وإذا كان العقل قاصرا ركز هذه القوة في شيء من المادة خلع عليه هذه الصفات؛ فأحيانا يكون صنما، وأحيانا يكون الشمس والنجوم، وأحيانا يكون شجرا، وأحيانا يكون حيوانا، وأحيانا يكون نهرا أو بحرا؛ فكل هذه الكوائن عبدت عند الأمم المختلفة؛ لأنها أحست أن في أعماق نفسها عقيدة بقوة فوق قواها، تساوت الأمم في هذا، ولكنها اختلفت في الشكل الذي تجسد فيه هذه القوة فتعبده، بحسب قوتها العقلية والخيالية ومواضعها الجغرافية وبيئتها الاجتماعية.

وكانت هذه هي الحالة الساذجة للعبادة عند الأمم؛ يعترفون بإله أو آلهة، ويشكلونها في شيء محسوس يقدمون لها صنوف التعظيم والتمجيد؛ فكرة حق، ولكنها اتخذت مظاهر خرافية؛ كالطفلة في غريزتها الأمومة، وفي طبيعتها الإشراف على تنظيم الحياة البيتية، فهي تتخذ لها لعبا من عرائس تجعلها أبناءها وبناتها وتمنحها عطفها، وتنفذ عليها أوامرها؛ إجابة لداعي الغريزة الكامنة، وإرهاصا لما يكون منها بعد نموها.

وأحيانا يحاول أن يتخلص من المادة فيعبد أرواحا؛ جنا أو ملائكة أو نحو ذلك، ولكن سرعان ما ينتكس ثانية فيسبغ عليها أوصاف المادة، فيجعلها ذكورا وإناثا، ويجعل لها أجنحة تطير بها، ويجعل لها قرونا وذيولا؛ لأنه لم يرق حتى يستطيع أن يتحرر من عبادة المادة بتاتا.

كذلك كان العرب، بل كان أكثرهم في حالة منحطة من عبادة المادة، يعبدون الحجر لا النجوم ولا الأرواح، ويأتمرون بأمرها - في زعمهم - في إقامة ورحيل، وإقدام وإحجام، وزواج وطلاق.

وعبادة الأصنام - كائنة ما كانت - تشل حركة العقل، وتضعف قوة النفس، وتحط الحياة الاجتماعية، وتجعلها حياة خرافية وضيعة، مثل هذه العقيدة تعوق العلم؛ لأن العلم لا يلائمها، وتعوق التفكير الصحيح؛ لأنه ليس من طبيعتها، وتعوق التقدم الاجتماعي؛ لأنه أساس إطلاق الفكر من قيوده، والفكر مشلول بعبادة الأصنام.

ومن أجل هذا كان أهم ما أتت به سلسلة الأنبياء محاربة هذه العقيدة، وتخليص الفكر من قيوده التي قيدته بها العقيدة، في الحجر والشجر، والنجوم والبحار والأنهار، وكان نجاحهم في أول الأمر قليلا قليلا؛ لأنه لم يكن يقوى على احتمال تجريد الإله عن المادة إلا القليل من الناس، وحتى في العصور الحديثة لا تزال النزعة إلى مادية الإله تتسرب في أشكال مختلفة، مع رقي العقل البشري ونموه ونضوجه.

وقد بدأت هذه الدعوة إلى التجديد في الأمم السامية من عهد إبراهيم، واستمرت بين الظهور والخفاء، وكلما تقدم الناس كانوا أكثر لها استعدادا وأقرب قبولا، حتى أتى محمد (

صلى الله عليه وسلم ) فدعا دعوته الجريئة الصريحة إلى كسر الأصنام وتحطيم الأوثان، وتخليص العقيدة من كل شرك، وتجريد الله عن كل مادية، وكان شعار عقيدته «لا إله إلا الله»، ومدار عقيدته «ليس كمثله شيء»؛ فالأصنام ليست تصلح لشيء إلا للمعاول، والنجوم هو الذي خلقها ونظم حركاتها، والبحار والأنهار هو الذي خلقها وأجرى ماءها، والملائكة هو الذي خلقهم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٠١