تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا شيء يشاركه في ألوهيته من مادة أو روح، هو حقيقة واضحة معقولة لا في شكل، غيبت عن العقول حقيقته، وظهرت لهم صفاته، فهو الخالق لكل هذه الظواهر، وهو الذي يسيرها، وهو غرضها الأسمى، هو وحدة لا تعدد فيها بأي حال، تنزه عن المادة، وتنزه عن الشريك.

سلك القرآن في الدعوة إلى الإيمان مسلكا خاصا، فبعد أن أبان للإنسان أن الله خالق كل شيء، وأنه رب العالمين، طلب إليه أن ينظر إلى كل شيء في العالم من صغير وكبير، فسيرى فيه مظهرا من مظاهرا الألوهية، ودليلا على عظمة الله وقدرته، لم ينهج القرآن منهج الفلاسفة في دوران العقل حول نفسه ليستخرج منها نظريات مجردة، ومقدمات ونتائج منطقية، إنما طلب أن تمتزج النفس بالعالم، وأن ينفذ العقل إلى رب العالم عن طريق العالم؛ لأن هذه الطريقة أكثر إحياء للشعور، ومبعثا لحياة القلوب.

والإيمان ليس يعتمد على العقل وحده، بل هو يعتمد على القلب أكثر من اعتماده على العقل، ومن أجل هذا طلب القرآن النظر إلى كل شيء في العالم؛ من الذباب والنحل والعنكبوت، إلى الفيل والجمل، إلى البحر والنهر، إلى السماء والأرض، إلى السحاب المسخر بين السماء والأرض، إلى الشمس والقمر، إلى الليل والنهار.

والقرآن مملوء بالآيات التي تصل الإنسان بالعالم، وتصل العالم بالقلب، وتبعث حرارة الإيمان بالله، وتملأ القلب حياة وحماسة، وهذا هو الذي ملأ صدر الصدر الأول من المسلمين بالعقيدة، وجعلهم يبيعون أنفسهم في سبيل الله عن سخاء، وهذا بعينه هو الذي شجع المسلمين على البحث العلمي؛ فقد اتجهوا إلى العالم يستدلون به على خالقه، فدفعهم ذلك إلى العالم يتعرفون طبيعته وقوانينه، وهذا هو العلم.

لم يتطلب إليهم الإسلام أن يعيشوا في صوامع يديرون طاحونة العقل على هواء، بل طلب إليهم أن يتصلوا بالعالم يدرسونه وينظرون فيه خالقه وخالقهم، فكان ذلك داعية للعلم والمدنية معا، لم يتطلب الإسلام من صاحبه أن يعيش عيشة روحية مطلقة مجردة عن المادة، بل طلب إليه أن يمزج الحياة الروحية بالحياة المادية، وأن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته، وأن يتزوج ويصلي، وأن ينعم بالحياة فلا يحرم على نفسه زينة الدنيا وطيبات الرزق، كما ينعم بالنظر وبالتفكير في ملكوت الله، وبعبارة أخرى، لم يتطلب الإسلام من الإنسان أن يكون ملكا، وإنما طلب إليه أن يكون إنسانا كاملا، يعيش وفق ما خلق، فقد خلق جسما وروحا؛ فلسجمه عليه حق، ولروحه عليه حق، فلا عجب بعد أن رأينا المسلم يساهم في بناء المدنية لأنها واجبة، وفي بناء الروحية لأنها مطلبه!

لم ينح الإسلام منحى العلم، يقرر القوانين جافة جامدة كما تفعل علوم الرياضة والطبيعة، وكما تفعل الميتافيزيقا اليونانية، فهذا هو العلم، ولكنه سلك مسلكا سماه «الحكمة»، وقال:

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب ، وما الفرق بين العلم والحكمة؟ العلم هو هذا النوع من المعرفة التي تأتي من طريق الحواس وما تألف منها، فإذا نظمت هذه المعارف ووضعت كل طائفة منها في مجموعة سميت علما، أما الحكمة، فمزج الروح والنفس بالعالم، والعلم يغذي العقل وحده، أما الحكمة فتغذي العقل والمشاعر، وهذه المشاعر هي التي عبر عنها الدين بالقلب والفؤاد.

إذا كان العلم ينظر إلى الإنسان فيقسمه إلى أجناس، وإلى أمم، وإلى ذكور وإناث، فالحكمة تنظر إلى الإنسانية في الإنسان، وإلى الإنسانية التي من ورائها الله يسيرها وينظمها ويمنحها الوجود ويمدها بروح منه، وإذا كان العلم يقسم النبات إلى فصائل، ويميز اختصاص كل فصيلة، فالحكمة ترى في اختلاف أنواع النبات دليلا على القدرة الإلهية، وهكذا بينما في العلم تمد الطبيعة رباطا بينها وبين العقل، تمد الحكمة رباطين؛ أولهما وأولاهما بينها وبين القلب، وثانيهما بينها وبين العقل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٠٢