وناحية أخرى كانت ترتكز عليها عظمته؛ ذلك أنه لم يكن واسع الاطلاع ولا بحاثة في الكتب، ولا عاكفا على البحوث العلمية والأدبية، وإنما يقرأ ما يقرأ في رفق وهوادة، ولكنه مع ذلك نظيف العقل، لا يقبل عقله الفكرة إلا إذا كانت واضحة، ولا يعبر عنها إلا إذا كانت ناضجة محددة، وهو إلى ذلك حر التفكير، لا يعبأ بالآراء الموروثة، ولا بالتقاليد المرعية في الأفكار، ثم هو طويل النفس في الجدل، قوي الحجة في المناظرة، لا يمل ولا يتعب، حتى قد يسلم له مجادله لا عن اقتناع، ولكن حبا في الراحة، وطلبا للسلامة.
ولوثوقه من نفسه في ذلك، وحبه في نشر أفكاره، اتخذ طريقة «سقراط» في تعليمه؛ فكان ينتهز كل فرصة لإثارة الموضوعات التي تنبعث من الظروف الحاضرة، في حجرة المدرسين، في مطعم الطلبة، في حلقاتهم، في الفسح، فيثير مسألة من المسائل ويبرهن عليها، ويتلقى الرد عليها من المدرسين أو الطلبة، وتكون المسألة حديث المدرسة في الفصول وأوقات الفسح، وقد تستمر أياما والعقول متيقظة باحثة فاحصة، فإذا انتهت أثير غيرها، وهكذا.
فكان هذا مثار نشاط ذهني عجيب، ومدعاة لتحرير الأفكار، وتعويدا على الاستقلال في التفكير، وعدم الخضوع للتقاليد، هذا في المجادلة العامة في المدرسة وحجر المدرسين والفصول، وكان له مع خاصته وفي بيته جدل في المسائل الدقيقة؛ سياسية كانت أو دينية، يتحرر فيها العقل من كل القيود إلا قيود الحجج والبراهين.
كانت أخلاقه هذه الصارمة القوية صالحة كل الصلاحية لإصلاح مدرسة عالية؛ ولذلك نجح فيها كل النجاح، وخلق جوا من العدل والنظام وحرية التفكير، يستنشق منه كل أستاذ وكل طالب على حسب استعداد رئته، وطبع كل من في المدرسة بطابع بين الأثر، وكانت لهم في حياتهم العامة بعد روح مستمدة من روحه، وأخلاق هي صدى لأخلاقه.
فلما تقلد منصب وكالة المعارف، اصطدم اصطداما عنيفا بالرجاوات والدرجات والعلاوات، ولم تتحمل ميوعة الناس صلابته، ولا عذوبة مجاملاتهم مرارته، فلم ينجح فيها نجاحه في مدرسته.
ولما انغمس في السياسة العامة للبلد، وبالحركات السياسية مع سعد وصحبه، لم تسعفه أخلاقه؛ لأن ألف باء السياسة المصانعة والمجاملة والمهارة في المساومة، وهو لا يحسن شيئا من ذلك؛ ولذلك كله كان نجاح أخيه فتح الله (باشا) بركات في هذا الباب أكثر من نجاحه هو، وكل ميسر لما خلق له.
الفصل الحادي والعشرون
| الإسلام كعامل في المدنية1
لعل أهم تراث الإسلام وأثره في المدنية أمران: الأول، العقيدة الإسلامية؛ لأني أرى أن كل ما نشأ عن الإسلام، من فتح وعلم وإدارة وفن وغيرها، أثر من آثارها؛ فالعربي قبيل الإسلام كان هو العربي بعينه، في جسمه، وجوهر عقله، ومعدنه، ولم يجعله يتجه إلى الفتح ويرى نفسه جديرا بأن يقف في المستوى الذي تقف فيه أرقى الأمم في عصره - وهما الفرس والروم - بل يرى نفسه أرقى منهما، وأجدر بأن يحكمها ويوجههما وجهة خيرا من وجهتهما، ويدخل التعديل على مدنيتهما، إلا عقيدته؛ فهي وحدها الشيء الجديد في حياة العربي المسلم.
لم يأت الإسلام في أول دعوته بنظريات هندسية، ولم يخترع آلات حربية، ولا فنونا جديدة، ولا نوعا من الإدارة جديدا؛ لأن هذه كلها أمور ثانوية بجانب العقيدة؛ فالعقيدة إذا صلحت أصلحت كل فاسد، ونشأ عنها كل أسباب التقدم ولو كان صاحبها فقيرا جاهلا، حتى ولو كان في بلد جدب وأرض قفر، ولو لم ينشأ في مدنية ولو لم يرث حضارة.
والعقيدة إذا فسدت أضاعت الثروة الموروثة، ولم ينفع معها علم ولم يفد غنى، كلا، ولا تنفع أرض خصبة ولا مدنية فخمة؛ ففيلة الفرس لم تثبت أمام بعير البدوي، ولا الدروع المضاعفة الرومانية استطاعت أن تصمد أمام نبال العربي وقوسه الساذجة؛ لأن بعير البدوي كان يحمل على ظهره قلبا مؤمنا، وفيل الفارسي كان يحمل فؤادا هواء، والقوس العربية كانت تصدر عن عقيدة صحيحة قوية ملتهبة، ودروع الروماني كانت تتضمن قلبا لا عقيدة فيه، كل همه شهوة ينالها ومتاع زائل يأمل أن يلتذ به.