تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من أغرب تمسك حسن عاصم بالمبدأ والعدل المطلق أن تبرع غني من أغنياء المحلة الكبرى للجمعية الخيرية الإسلامية بإنشاء مدرسة وقف عليها أطيانا، فلما تم فتح المدرسة قدم هذا الغنى طلبا لابنه لدخول المدرسة، وكان يتجاوز السن المحددة بأشهر، فرفض حسن عاصم قبوله، وكان إذ ذاك مدير مدارس الجمعية، وقال: إن هذا الغني تبرع بالمدرسة فنشكره، وأراد أن يكسر قوانيننا فلا نقبل ذلك منه، وترتب على ذلك أزمة بينه وبين الشيخ محمد عبده وحسن (باشا) عبد الرازق، وغيرهما من كبار رجال الجمعية، ولكنه أصر على رأيه، وأخيرا اضطروا إلى موافقته.

وجاء عاطف بركات يمثل هذا الطراز، ويتخذ من حسن عاصم أستاذا؛ إذ كان يعاشره ويعجب به، كما كان يتخذ من «كنت» مثله الأعلى، وكثيرا ما كان يحدثنا عنه ويستثير إعجابنا به في دقته ونظامه في حياته، وأنه كان إذا خرج من بيته ضبط الناس ساعاتهم على موعد خروجه، وهكذا.

هذه أكبر ميزة لشخصيته: حبه للنظام الدقيق، وتحريه للعدل المطلق، والتمسك به مهما جلب عليه من متاعب.

تولى نظارة مدرسة القضاء الشرعي، وظل فيها أربعة عشر عاما، فأشع فيها روحه، وكان طلبتها وأساتذتها وزائروها يلمسون العدل ودقة النظام، ويتنفسون كل ذلك من جوها، فالمدرسة سائرة كالساعة، كل عضو يعرف عمله ويؤديه في وقته، وهم يرونه دائبا لا يمل، فيخجلهم بجده ونشاطه، فيقلدونه في سيرته؛ فإذا جد الجد تجلى عدله في أكبر مظاهره.

أراد الخديو عباس أن يعطي أحد المدرسين بالمدرسة درجة مالية أعلى من درجته، وأوفد إلى أعضاء مجلس إدارة المدرسة بذلك، فكلهم قبل نزولا على إرادة الخديو ورغبة في المسالمة، ولكن «عاطفا» رأى أن غير هذا الأستاذ أحق منه، وأن في إعطائه ظلما على الآخرين، فأبى وأصر على الإباء، ووضع نفسه والمدرسة في أزمة مع ناظر المعارف ومع السراي، فلم يعبأ بهذا كله.

ومثل الدور نفسه مع سعد (باشا) زغلول؛ إذ كان «عاطف» وكيل وزارة المعارف، ولسعد زعيم الأمة كل السيطرة على شئون البلاد ومصالح الحكومة، فطلب سعد منه أن يقبل ابن حمد (باشا) الباسل في مدرسة ثانوية، وكانت سنه تتجاوز السن القانونية بأشهر، فأبى «عاطف» وقال: إما أن نغير القانون ونقبله ونقبل كل أمثاله، وإما أن نرفض الجميع، وغضب سعد من ذلك أشد الغضب فلم يبال بذلك.

لا فرق عنده في تحقيق العدالة بين قريبه وغير قريبه، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، بل ولا بين من يحبه ومن يكرهه؛ أمام عينيه قوانين العدالة وكفى، وهو ليس إلا قاضيا يطبقها معصوب العينين عن كل اعتبار وكل عصبية، ومثل هذا الرجل - وخاصة في مثل أممنا التي اعتادت الإفراط في المجاملة والمحسوبية - لا يكون محبوبا إلا من تلاميذه وخاصته، ولكنه يكون محترما من الجميع، وكذلك كان، فكم رجي فرفض الرجاء، وكم طلب إليه أن يغض طرفه عن القانون فأبى إلا القانون، وكم نصح أن يرعى الكبراء؛ وخاصة في المسائل الصغيرة لتجاب مطالبه في المسائل الكبيرة، فلم يستسغ عقله هذه المساومة، فكان كل هذا مدعاة لمحاربته وكثرة اصطدامه.

لقد كان من ذلك حادثة طريفة، وهي أن ناظر المعارف كان أحمد حشمت (باشا)، وقد اقترح على مدرسة القضاء أن تعين فلانا مدرس خط، وكان فلان هذا من أحسن الناس خطا وأحسنهم خلقا، ولكن «عاطفا» أبى؛ لأن قانون المدرسة يجعل اقتراح التعيين من حق مجلس إدارة المدرسة، وليس لناظر المعارف حق إلا القبول أو الرفض، لا حق الترشيح ابتداء، وكانت أزمة طويلة، و«عاطف» يرى الحق بجانبه، وناظر المعارف يرى أنه مس في كرامته، ولقيت المدرسة من ذلك عنتا واضطهادا صبر له «عاطف»، وأخيرا نزل ناظر المعارف عن رأيه، وأقر من رشحته المدرسة لا من رشحه هو، وهكذا كانت حياته كلها صراعا، فما استمسك أحد بالحق إلا أوذي، ولكنه في الوقت عينه أجل وأكبر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٩٩