هذا العقل الذي يعلم فارس والروم نظام الحياة الاجتماعية، وهم هم أبناء المدارس النظامية، والنظريات القانونية، والتعاليم الحربية، والمبادئ الاقتصادية، هو - ولا شك - عقل جبار خارق للعادة، خارج عن مألوف ما نرى ونسمع في تاريخ الأمم.
تدفقت الأموال على جزيرة العرب،فعرف كيف يضبطها وينظمها ويوزعها في مصالح المسلمين، وأنشأ لذلك الدواوين.
وفتحت الفتوح الواسعة فعرف كيف يقسمها إلى إمارات حربية، وإمارات سياسية، وكيف يوزع الاختصاص حتى لا تتعارض المصالح.
ويسافر إلى الشام فيرتب الجند التي تغزو في الصيف، والتي تغزو في الشتاء، وينظم المصالح، ويأمر بإقامة الحصون، وترتيب المقاتلة.
ويرتب البريد حتى تصل إليه الأخبار عن البلاد النائية في أسرع ما يمكن، ويمصر البلدان كما فعل في البصرة والكوفة، ويستفتي في كل ما يعرض من مشاكل الفتح الحربية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، فيأمر فيها بالرأي الصادق والنظر البعيد.
يضاف إلى ذلك معرفة دقيقة بطبيعة الأمة الفاتحة وأخلاقها، وما يصلح لها وما لا يصلح، والأمم المفتوحة وكيف تساس على اختلاف نزعاتها وعقلياتها. •••
إن أخلاقا كالتي وصفنا ، وعقلية تتسع لكل ما عددنا، تبتكر في النظم وتعدل - مع نشأتها البدوية - مناهج السياسة الفارسية والرومية، وترقيها إلى مستوى أعلى كثيرا مما كانت عليه، لهي جديرة حقا بكل إعجاب، وخليقة أن تذكر في أوائل سجل الأبطال، على مر الأجيال.
الفصل العشرون
| محمد عاطف بركات (1861-1924)
من الأقوال المأثورة أن كل إنسان إما أن يكون أفلاطون أو أرسطو؛ يعنون بذلك أنه إن غلب عقله عواطفه كانت نزعته أرسططالية، وإن غلبت مشاعره عقله فنزعته أفلاطونية.
ونستطيع قياسا على هذا أن نقول: إن كل متصد للإصلاح وقيادة أمور الناس إما أن يكون عليا أو معاوية؛ فإن غلب عليه تحريه للعدل المطلق في كل صغيرة وكبيرة، وعدم رضاه عن أي ظلم مهما كانت نتيجته، فهو أقرب إلى نزعة علي، فعنده أن الخط إما أن يكون مستقيما أو أعوج، ولا شيء بينهما، ويحب علي السير في الخط المستقيم دائما من غير نظر إلى العواقب.
أما معاوية فشيء آخر، يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، وهو يعلن عن سياسته بقوله: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل»، فمن سار على هذا النهج وارتكب الظلم أحيانا بغية الوصول إلى نفع كبير فهو أميل إلى خطة معاوية.
والسياسيون - عادة - من قبيل معاوية، ينحرفون عن الحق أحيانا بحجة أنهم يقصدون إلى منفعة كبرى، وينظرون إلى المسائل السياسية نظرة البائع والمشتري؛ يدفع الثمن ظنا في الربح، فهم يضحون بالحق أحيانا أملا في تحقيق حق أكبر، وقد يخدعون بذلك أنفسهم.
وقادة مصر وساستها كغيرهم من القادة، والساسة أكثرهم من هذا القبيل؛ لأنهم رأوا أن السياسي والقائد لا بد أن يأخذ ويعطي ويتنازل عن شيء ليستمسك بشيء، وإلا كان كالشجرة الصلبة أمام الريح العاصفة لا بد أن تنكسر لأنها لم تلن.
وهذا لم يمنع أن يهب الله مصر كما يهب العالم رجالا صلب عودهم واشتد خلقهم، فوهبوا أنفسهم للحق، لا شيء غير الحق.
كان من هذا القبيل في عصرنا الحديث «حسن (باشا) عاصم»، كان رئيسا للديوان الخديوي، وطلب الخديو عباس من الأوقاف أن تعطيه تفتيشا من تفاتيشها في الجيزة من الأراضي المعدة للبناء، في نظير أن يعطيها مزرعة من مزارع الخاصة الخديوية، وأن تعطيه الأوقاف ثلاثين ألف جنيه فرق بدل، وعرض الأمر على المجلس الأعلى للأوقاف، فوقف في ذلك حسن (باشا) عاصم ومعه الشيخ محمد عبده، وعينا لجنة تقدير رأت الغبن في ذلك على الأوقاف، وأن الخاصة الخديوية إذا أرادت البدل وجب عليها أن تدفع عشرين ألفا، لا أن تأخذ ثلاثين ألفا؛ فغضب عليه الخديو وأحاله على المعاش.