هاجر الصحابة مستخفين من أذى قريش واضطهادهم، أما عمر فلما أراد أن يهاجر إلى المدينة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما، ومضى نحو الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا، ثم طاف على جماعات قريش واحدة واحدة يعلنهم بهجرته، ثم قال: «من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده ويرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي»، فما تبعه أحد منهم.
لم تكن المسألة مسألة قوة في بدنه واستكمال لآلات قتاله، فقد كان في قريش من هو أعلم منه بالقتال، وأشد منه في النضال، ولكن نفس عمر كانت دونها كل نفس من هؤلاء المحيطين بفناء الكعبة، وكانت هذه النفس القوية الكبيرة تشع رهبة، وتبعث إجلالا، حتى تستخذى أمامها النفوس، كذلك كانت نفسه في جاهليته، ثم زادت قوة في إسلامه، «والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام».
ثم تنجلي بطولة عمر الأخلاقية في العدل التام أيام خلافته.
لقد كان يتصور العدل تصورا دقيقا بديعا، ثم منح من الإرادة القوية ما استطاع به أن ينفذ هذا العدل الذي يتصوره في دقة وقوة وحزم، قل أن يكون لها نظير.
طبق العدل في كل شيء، ومع الجميع، إلا مع نفسه وأهله، فقد تحامل عليهم، وحرمهم حتى مما أحله الله، وضحى بنفسه وبهم ليرد طمع العمال والولاة، ويقيم سيرته مثلا لمحاربة الأنانية وتضحية الشهوات والملذات في سبيل الله والمصلحة العامة.
يعدل مع العمال في كل صغيرة وكبيرة، ولا يرحم من تبدر منه بادرة أو يزل زلة، وينصف الرعية من العمال، ويبعث المفتشين يستقصون أخبار الرعية وأخبار العمال.
ويعدل في أهل الذمة من يهود ونصارى فيوصي العمال والرعية بهم خيرا.
ويعدل مع الجنود فيوفر عليهم رزقهم، ولا يطيل مدة غربتهم.
وهكذا يقدر المسئولية تقديرا في منتهى الدقة، ويخشى أن يقع ظلم ما على امرأة نائية في أقصى الأرض فيحاسبه الله عليها، يضاف إلى ذلك ما منح من فراسة صادقة في اختيار الولاة والعمال، ينظر النظرة في وجه الرجل فإذا هو كأنه صحيفة مكتوبة يقرأ فيها كل ما يخفيه الرجل في نفسه، يعرف مواضع القوة في رجاله، ومواضع الضعف فيهم، ثم يعرف كيف يستغل ضعف هذا وقوة ذاك في خير الناس.
صراحة في القول والعمل إلى أقصى حد، وشجاعة تستهين بالموت في سبيل العقيدة، وعدل دقيق في كل أمر، ومهابة تملأ صدر كل من رآه أو سمع به، وفراسة صادقة تخترق الحجب لترى ما وراءها، وسهر على مصالح الرعية، وعظم تقدير ما عليه من مسئولية؛ كل هذه بعض خصال عمر التي تكونت منها بطولته وجعلته موضع الإعجاب على اختلاف الأجيال، ممن كان من أهل دينه، وممن خالفه في دينه. •••
وليست تقل بطولته العقلية عن بطولته الخلقية، فما نشأة عمر هذا؟ لقد كان في صباه يرعى غنم أبيه أحيانا، ويحتطب أحيانا، فلما شب كان يتاجر في ماله القليل، ولكنه مع هذا منح عقلية في منتهى الغرابة في الصفاء وبعد النظر، وإدراك الحقائق، تجلى هذا في أول إسلامه، فكان رأيه موفقا، وكثيرا ما يرى الرأي فينزل فيه القرآن موافقا له، حتى بلغ هذا أكثر من عشرين موقفا؛ من ذلك رأيه في الخمر وتحريمها، وقد روى في هذا الباب أن رسول الله قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (أي ملهمون) فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر».
أغرب من هذا كله أن هذا الراعي الصغير، والتاجر الصغير ، ومن لم يجلس في حياته في مدرسة، ولم يتعلم درسا في الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والحرب، ينظم الجيوش لفتح أعظم مملكتين في العالم؛ وهما فارس والروم، ويعرف مواقع البلاد، ومن أين تؤتى، ويبعث بالأوامر تلو الأوامر للقواد، كيف يقاتلون، وأين يتوجهون، ويرسم لهم الخطط كيف ينتصرون، حتى يتم له القضاء على هاتين المملكتين العظيمتين.
وكان يكون الأمر سهلا لو كانت المسألة مسألة فتح وغزو كما تفعل الأمم المتبربرة في غزو الأمم المتحضرة، ولكن ليس الأمر كذلك، فهو فتح منظم، وإدارة للأمم المفتوحة، وحكم لهم بأساليب خير مما كانوا يحكمون، هذه العقلية الجبارة العجيبة هي التي نظمت الدواوين في بلاد فارس والروم، ووضعت نظم زرع الأرض وريها وخراجها، ووضعت التعاليم التي تنظم علاقة الفاتح بالمفتوح، حتى كانت تعاليم عمر في الجهاد وفي الفتح وفي الخراج وفي نظام الكنائس والأديرة وفي معاملة أهل الذمة هي المصدر الذي يعتمد عليه الخلفاء والفقهاء والقضاة في شئون الدولة على مر العصور.