شرك الردى في ليلة ونهار
وهكذا كلما يجد من أمر حتى يتلفت الناس إلى شوقي ينتظرون ما يقول، وحسبك دليلا على أنه كان ملجأ الناس ومفزعهم أنهم حتى بعد موته لم يجدوا في مواقفهم الحرجة ومواقفهم البهيجة غير شعره يتغنون به ويرتوون منه، فإذا التهبت عاطفتهم الحماسية وطلبوا نجدتها بالشعر، لم يجدوا إلا أمثال قصيدته الرائعة:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعل على الجمال له عتابا •••
وإذا تفرق الزعماء ونكبت البلاد بفرقتهم فلم يجدوا خيرا من أن يتغنوا بقوله:
إلام الخلف بينكم إلاما
وهذي الضجة الكبرى علاما •••
وفي مجال الفرح والسرور لم يجدوا خيرا من أغانيه: يا جارة الوادي - وأوبريت مجنون ليلى وأمثالها.
لهذا كله، ولهذا المعنى الذي ذكرت من أنه شغل الناس وملأ حياتهم بأجمل فن وأروع تعبير، استحق أن يكون أمير الشعراء من غير منازع.
قد يقول شاعر في هذه الموضوعات كلها وأمثالها الشيء الكثير، ولكن لا يكون له فضله، ولا تكون له روعته، وإذا تلهف الناس فإنما يتلهفون إلى شوقي وشعره؛ لأنه أكثر تجاوبا مع نفوسهم، وألطف تناغما مع عواطفهم.
هذه ناحية واحدة من نواحي عظمة الشاعر التي لا بد منها لإمارة الشعر، وقد كانت في شوقي متوافرة واضحة جلية.
رحم الله شوقي وعوض العالم العربي عنه أحسن تعويض.
الفصل التاسع عشر
| بطولة الفاروق تتمثل في أخلاقه وعقليته
لعمر بن الخطاب نوعان من البطولة، كان كل واحد منهما يكفي ليكون بطلا عظيما، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من الأبطال كانت بطولتهم من ناحية واحدة، أما بقية نواحيهم فعادية، أو أقل من العادية.
في الناس من بطولته من ناحية علقه؛ فهو يرى أبعد مما يرى الناس، ثم هو في غير هذه الناحية كسائر الناس، وفيهم من بطولته من ناحية شجاعته؛ فإذا جاوزت الشجاعة وجدته كأوساط الناس، أو أقل من أوساطهم، وفيهم من بطولته من ناحية مهارته السياسية، ثم هو لا شيء بعد ذلك.
ولكن عمر كان بطلا في أخلاقه، وليس في خلق واحد منها، وكان بطلا في عقليته، وليس في ناحية واحدة منها أيضا.
أما ناحية الأخلاق، فكان رجلا بكل ما تحتمله كلمة الرجل من المعاني، كان رجلا في كفره، ورجلا في إسلامه، لا يميل إلى الدنية، ولا ينظر إلى الصغائر، كان كافرا فكان الكفر يعتز به، ثم كان مسلما فكان الإسلام يعتز به، وكان رسول الله في أول دعوته يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فاستجيب دعاؤه في عمر، فلما أسلم رن إسلامه في الأوساط الوثنية، وأحدث حسرة وأسفا وانخذالا، ورن في الأوساط الإسلامية فأحدث فرحا وسرورا واغتباطا؛ لأن كفر عمر وإسلامه ليس كسائر الناس؛ ففي الناس من إذا وضع في كفة أو في أخرى لم تتأثر الأولى ولا الثانية، وفيهم من إذا وضع في كفة رجحت، ورجحت حتى النهاية، ومنهم عمر، ومن أجل ذلك قال ابن عباس: «لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا»، وأنزل الله:
يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين .
أسلم عمر فغير حياة المسلمين الاجتماعية، كانوا لا يجرءون على الجهر بشعائر دينهم فجهروا بها منذ أسلم عمر، وكانوا يتسترون في الدعوة فأعلنوها، وخرج المسلمون على أعين المشركين في صفين؛ في أحدهما حمزة، وفي الآخر عمر، حتى دخلوا المسجد، فلو أن آلافا من عامة الناس أسلموا ما عدلوا عمر، وصدق ابن مسعود إذ يقول: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».
كان الحق متقنعا فأبى عمر لما أسلم إلا أن ينبلج، وكانت الدعوة إلى الإسلام من وراء حجاب، فأبى عمر إلا أن تكون علانية، وعلى سمع الناس وبصرهم، فكان ما أراد.
وهكذا كان بطلا في صراحته، بطلا في شجاعته، حمل نفسه على كفه دفاعا عن عقيدته، فلم يخش بأسا ولم يخش قتلا، وصمم أن يموت أو تعلو كلمة الإسلام، فكانت الثانية.