تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ليس أمير الشعراء يعبر عن ذلك كله كما يعبر سائر الناس ولا سائر الشعراء، بل يعبر التعبير كأنما يأتيه من السماء، ويشعر السامع أو القارئ كأن هذا التعبير هو الذي كان يتلمسه فلا يجده، وكأن الفراغ الذي لم يكن أحد يملؤه بالضبط قد ملأه، وكأنه بلغ من الجودة ما ليس لأحد بعده قول.

كذلك كان المتنبي يعبر عن كل نفس في كل موقف أصدق تعبير وأقواه وأجمله، حتى لم يتمثل بشعر أحد منذ وجد المتنبي ما يتمثل بشعره؛ في الشجاعة، في الحزن، في السرور، في مصائب العالم، في طبيعته، في آلام العرب، في آمالهم، إلى ما لا يحصى.

كذلك كان شوقي، مكنه تاريخ حياته من أن يرى أفلام الحياة على اختلاف أنواعها؛ رأى فلم الحياة المصرية في أسرته، وفي مدرسته، وفي الشوارع، وفي الأحياء الوطنية والأحياء الأرستقراطية، ورأى فلم القصر، وهو فلم عجيب: كيف يتصل الشعب بالقصر في أعيانه وموظفيه وأغنيائه وفقرائه وسياسييه وممثليه، ورأى فلم أوربا؛ وخاصة فرنسا وباريس، وتموج الحياة فيها، ورأى فلم المنفى في إسبانيا وعذابه، ورأى فلم القصر وقد أعرض عنه، فاتصل بالناس والجماهير والأدباء يذمونه ويمدحونه ويعجبون به وينتقدونه.

فلما اطلع على كل ذلك، وصادفت منه هذه الأفلام قدرة بارعة على الصياغة والفن والإخراج، خرج على الناس بشعره رائعا يعبر عن مجالي الحياة في شتى أنواعها، فشغل الناس وملأ قلوبهم.

لقد كان للناس في عصره نزعات تشغل بالهم فأرواها كلها بخير ما يقال، كان المصريون يتعطشون إلى التغني بمجدهم القديم وأملهم في المستقبل، فقدم إليهم تاريخهم من عهد الفراعنة إلى العصر الحديث في قصيدته الرائعة:

همت الفلك واحتواها الماء

وحواها بمن تقل الرجاء

مشبها متأسفا فخورا ناعيا، مستفزا حافزا، وكذلك شأنه في قصيدة:

قف ناج أهرام الجلال وناد

هل من بناتك مجلس أو ناد

وقصيدة:

أبا الهول طال عليك العصر

وبلغت في الأرض أقصى العمر

وقصيدة:

قفي يا أخت «يوشع» خبرينا

أحاديث القرون الغابرينا

ولا تأتي حادثة تهيج لها عواطف المصريين نحو استقلالهم إلا غذاها وعبر عنها وتجاوب معها؛ كمشروع ملنرن وتصريح 28 فبراير، ووداع اللورد كرومر، وذكرى دنشواي، ورثاء عظماء النهضة؛ أمثال: محمد عبده، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وعبده الحامولي، والشيخ سلامة حجازي ... إلخ إلخ.

وهناك بجانب النزعة القومية المصرية كانت النزعة إلى العروبة، وكانت في مستهل عهدها، فغذاها أحسن غذاء بما قدم لها في المناسبات، فإذا نكبت بيروت بضرب الأسطول الإنجليزي لها قال قصيدته:

يا رب أمرك في الممالك نافذ

والحكم حكمك في الدم المسفوك

يقول فيها:

لك في ربى النيل المبارك جيرة

لو يقدرون بدمعهم غسلوك

وإذا نكبت دمشق بضرب الفرنسيين لها قال قصيدته التي يتغنى فيها:

سلام من صبا بردى أرق

ودمع لا يكفكف يا دمشق

يقول فيها:

نصحت ونحن مختلفون دارا

ولكن كلنا في الهم شرق

ويجمعنا إذا اختلفت بلاد

بيان غير مختلف ونطق

وقفتم بين موت أو حياة

فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا

وللأوطان في دم كل حر

يد سلفت ودين مستحق

وتقيم سوريا ذكرى استقلالها فيقول قصيدته:

حياة ما نريد لها زيالا

ودنيا لا نود لها انتقالا

إلخ ... إلخ.

ثم كانت نزعة إسلامية تدعو إلى الارتباط بالخلافة والأتراك، فأفاض في الشعر فيها إلهاب العواطف نحوها، فقال فيها أكثر من عشرين قصيدة من أروع قصائده.

وكما كان لسان الناس في هذه النزعات كان لسانهم في كل ما يعرض لهم من شئون اجتماعية؛ في العلم والتعليم، في الحجاب والسفور، في انتحار الطلبة، في بنك مصر، في نشأة الطيران، في تأسيس الجامعة، حتى في كوليرا سنة 1902 قال فيها ما لم يقله أحد حتى سنة 1947 فيقول:

لهفي على مهج غوال غالها

خافي الدبيب محجب الأظفار

خمسون ألفا في المدائن صادهم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٩٥