وظل على هذا الحال طول حياته؛ كل يوم غارة منه يغيرها، وغارة على قومه يردها، وهو في قتاله موفق كل التوفيق، شجاع كل الشجاعة، لا يعبأ بما يصيبه من جراح، حتى كاد كل موضع في جسمه أن يكون موضعا لطعان.
ودعته الظروف أن يخرج إلى دمشق ويتصل بأميرها ويقاتل معه، ويأتي من أعمال البطولة في دمشق ما أتاه في شيزر، ثم يرحل إلى مصر في آخر عهد الفاطميين، في خلافة الحافظ لدين الله، فيقربه الخليفة إليه، ولكن يرى أسامة في دور الخلافة العيشة الناعمة، والغرق في الترف والنعيم والإفراط في حياة الدعة، فيكره ذلك كله، ويحن إلى حياة الجهاد، ويتسلى بالصيد، ولكن لا تقنعه هذه التسلية، ويرى في آخر الدولة الفاطمية تعفن الحياة الاجتماعية، والإسراف في ملذات الحياة، ودسائس الولاة والحكام، فخرج من مصر والتحق بجيش نور الدين، وهو في الرابعة والستين من عمره، وما زال يقاتل في كل جيش يحارب الصليبيين حتى بلغ الخامسة والسبعين، فشكا ضعفه وعجزه عن القتال.
فلما بلغ الثمانين زاد ضعفه، فانقطع للأدب يؤلف فيه ما يدعو إلى الحماسة والجهاد، ويعد النفوس بقلمه، كما كان يقدم لها المثل بسيفه، ثم كان لما رأى في حياته الطويلة العريضة مستودع تجارب قيمة؛ وخاصة في القتال ومكايد الحروب، فاتصل بصلاح يعينه في الرأي، ويمده بالخطط التي تضمن له الظفر والنصر، وظل على هذه الحال يؤلف في أدب الحرب ويعين صلاح الدين على الحرب حتى بلغ السادسة والتسعين، فعجز عن حمل القلم وعن الإمداد بالرأي، كما عجز من قبل عن حمل السيف، وفي ليلة من ليالي رمضان سنة 584 أسلم روحه لخالقه، وهو يدعو الله لصلاح الدين أن يتم نصره على الصليبيين، ويسأله لنفسه الرحمة والغفران.
هذه ناحيته الحربية، ولم يكن في ناحيته الأدبية بأقل منه شأنا في ناحيته الحربية؛ فهو يسجل في شعره أعمال بطولته، ويسجل دور حبه وغرامه، ويسجل مواقفه في القتال، ويسجل مشاعره في مراحل حياته تسجيلا صادقا قويا ممتعا.
يقول في مستهل حياته:
لأرمين بنفسي كل مهلكة
مخوفة يتحاماها ذوو الباس
حتى أصادف حتفي، فهو أجمل بي
من الخمول وأستغني عن الناس
ويقول:
تجهل في الإقدام رأي معاشر
أراهم إذا فروا من الموت أجهلا
أترجو الفتى عند انقضاء حياته
وإن فر، من ورد المنية مزحلا
إذا أنا هبت الموت في حومة الوغى
فلا وجدت نفسي من الموت موئلا
وإني إذا نازلت كبش كتيبة
فلست أبالي أينا مات أولا
ويقول:
سأنفق مالي في اكتساب مكارم
أعيش بها بعد الممات مخلدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الردى
ولا أتخشى فارسا ومهندا
فإن نلت ما أرجو فللمجد ثم لي
وإن مت خلفت الثناء المؤبدا
فلما تقدمت به السن ووضع السيف وحمل العصا قال:
أصبح كفي مالكا للعصا
من بعد حمل الأسمر الذابل
كأنني لم أمش يوم الوغى
إلى نزال البطل الباسل
ولم أشق الجيش لا أختشي
من الردى، كالقدر النازل
فانظر إلى ما فعل العمر بي
من طوله لم أحظ بالنائل
يا حسرتا! إني غدا ميت
على فراشي ميتة الخامل
هلا أتاني الموت يوم الوغى
بين القنا والأسل والناهل
الفصل الثامن عشر
| شوقي أمير الشعراء
في رأيي أن عرش الشعر العربي كان قد استولى عليه المتنبي عن جدارة واستحقاق، فلما نزل عنه بموته ظل شاغرا حتى تبوأه شوقي، فلما قضى نحبه لم يستو عليه أحد إلى اليوم.
وللاستواء على عرش الشعر شروط دقيقة قاسية، قد تكون أشد وأصعب من عروش السياسة، وقد تكون أشد وأصعب من عرش النثر وعرش سائر الفنون؛ لأن الشعر تلتقي فيه المعاني بالخيال بالعواطف بالموسيقى بالأسلوب، ولا بد أن تكون كلها جميلة رائعة وإلا كان عدمها خيرا من وجودها؛ كالزهرة لا بد أن تكون جميلة ناضرة ليستمتع بها، فمتى أدركها شيء من الذبول فاختفاؤها خير من ظهورها.
ولعل أهم ما يرشح الشاعر للإمارة أن يكون لسان الناس في عصره وبعد عصره، يعبر أحسن تعبير حيث لا يحسنون التعبير، ويصوغ الأفكار والمشاعر والآمال والآلام أحسن صياغة حيث لا يجيدون الصياغة، فيجد كل مثقف في شعره الجميل ما يعبر عن نفسه أصدق تعبير؛ إن تألم ففي شعره ترديد لألمه وتحليل له وعزاء لنفسه، وإن سر ففي شعره استجابة لسروره مضاعفة له، وإن جبن ففي شعره القضاء على جبنه وتعييره بالإحجام ودعوته إلى الإقدام، وهكذا.