ولكنه قبل أخيرا الصلح على أن يدفع كل رجل يريد الخروج عشرة دنانير، وكل امرأة ثلاثة، وكل طفل اثنين، وبدأ تسليم المدينة وخروج الصليبيين منها في أكتوبر سنة 1187، ودخل صلاح الدين بيت المقدس بجيشه الظافر بعد خروج الصليبيين منها، وهكذا تمت هذه الصفحة البيضاء من أعمال صلاح الدين وقومه، وخرج الصليبيون مخذولين مهزومين من بيت المقدس بعد أن استولوا عليه نحو قرن.
هذه رواية مثلت قديما في هذه البلاد كما تمثل اليوم، ولم يتغير في الرواية إلا أن أوربا كانت تبعث بجنودها الصليبيين وتقذف بهم لفتح فلسطين، واليوم تؤيد أوربا وأمريكا هؤلاء الصهيونيين لفتح فلسطين، ونرجو أن تتم الرواية أخيرا كما تمت أولا، فالله يهب نصره لمن أخلص له، وصدق عهده، وبذل الأرواح والأموال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين السفلى.
هذه صفحة من صفحات بطلنا صلاح الدين، وما أكثر صفحاته المجيدة، والسلام عليكم ورحمة الله. (3) أسامة بن منقذ
أحدثكم عن بطل آخر من أبطال العرب، دوى اسمه في أيام الحروب الصليبية، وكان له من أعمال البطولة في الحروب ما يستحق العجب والإعجاب، وحفظ لنا التاريخ سيرته بطلا عظيما وأديبا كبيرا، يسجل بطولته بفعاله، ويسجل نواحي عظمته في شعره؛ ذلك البطل هو أسامة بن منقذ.
لقد كان عربيا من كنانة، وكان قومه يسكنون مدينة وحصنا على بعد خمسة عشر ميلا شمالي حماة، بالشام، تسمى المدينة شيزر، والحصن حصن شيزر، وقد اشتهرت هذه المدينة والحصون بأعمال البطولة من جانب العرب ومن جانب الصليبيين؛ لأنها كانت مركزا هاما، تشرف بارتفاعها على المسالك حولها، ويتحكم من فيها على الجنود الغادين والرائحين.
وكان من سوء الحظ أن سقطت هذه المدينة وهذا الحصن في أيدي الصليبيين، فآذوا العرب به إيذاء كبيرا، حتى قيض الله للعرب رجلا من كنانة شجاعا مقداما، قوي النفس كريما، جمع قومه في هدوء، وتحين الفرصة حتى وجدها، فطوق الحصن، وحاصره حصارا شديدا، فلم يجد الصليبييون بدا من الاستسلام وطلب الأمان، وكان هذا البطل الكناني جد بطلنا أسامة بن منقذ.
وكان أهل حصن شيزر ومدينة شيزر يعيشون عيشة حربية بطبيعة مركزهم؛ إذ كانوا إما أن يغيروا على الأعداء أو يغير عليهم الأعداء؛ فهم إما في حرب أو استعداد لحرب، على هذا كانت رجالهم وشبانهم وشيوخهم وفتياتهم ونساؤهم، كل شجاع لا يهاب الموت، وكل له وظيفته في الحرب؛ فقد يبلغ الشيخ الستين، بل والسبعين، فإذا دعا داعي القتال أمسك سيفه وخرج للغزو أو للدفاع، والفتاة تختار زوجها لإتيانه بعمل من أعمال البطولة، والأم تترك بنتها حارسة للدار وتخرج مع الجيش للقيام بواجبها في القتال، والموت في نظرهم أمر عادي، لا بأس به إذا نزل، وتربيتهم لأبنائهم وبناتهم تربية حربية عمادها الفروسية.
هذا أسامة يعود من صغره أن يخرج مع أبيه وأعمامه لصيد الوحوش، وكان بالشام إذ ذاك غابات تسكن فيها السباع والضباع، فلما شب كان يخرج لصيدها، وقد حدث أسامة عن نفسه بما لقيه من تجارب في صيد الأسود، وأبوه يعرضه للموت من غير خوف:
رأى أبوه حية عظيمة في قاعة من قاعات داره، وبجانبه أسامة، فقفز أسامة وأخرج سكينا من وسطه، ووضعها على رقبة الحية وهي نائمة، فلما انتبهت التفت حول يده، وما زال بها حتى قتلها، وما جزع أبوه وما فزع، بل تبسم واغتبط!
وهكذا تعلم النزال في الصيد مقدمة لنزال الرجال في الحرب، وبدأ حياته الحربية وهو في الخامسة والعشرين من عمره؛ إذ خرج مع عمه ونفر من قومه، فخرج عليهم جماعة من الصليبيين أكثر منهم عددا، وقاتلوهم قتالا تشيب من هوله الأطفال، وأخذ الموت يحصد رجال أسامة، وكان تحته فرس مثل الطير في سرعة العدو وخفة الحركة، فأخذ يطعن هذا ويدور على آخر، ويحمي ما استطاع من قومه، فإذا أصيب فرسه ركب أخرى، حتى انتصر على أعدائه، ورجع هو ومن بقي من أصحابه إلى شيزر سالمين، وفي المساء وصل إلى الحصن رأس الفرقة الصليبية ليهنئ عم أسامة بما رأى من أسامة من شجاعة ومهارة وإقدام في القتال على عادة الفرسان إذ ذاك.