تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أصدق قولهم: إن التاريخ يعيد نفسه فيما يلقاه العرب اليوم في فلسطين، واضطهاد العالم الغربي لهم، وعدم مراعاة أبسط قواعد العدل معهم ليس جديدا، وإنما هي رواية مثلت من قبل مرارا بالشكل الذي تمثل به اليوم، ولأقص عليكم كيف مثلت هذه الرواية في عهد صلاح الدين الأيوبي.

فقد تألب على المسلمين في العصور الوسطى رجال الدين والأمراء، وكان لرجال الدين المسيحي السلطة والكلمة المسموعة، لا يستطيع ملك أو أمير أن يخالف كلمة البابا وإشارته؛ ففي سنة 1095م، أعلن الباب في مجمع رجال الكنيسة الحرب على المسلمين، واكتساح أرضهم، وأخذ بيت المقدس منهم، فأطاعت الأمر، ولبت الدعوة الأمراء والشعوب المسيحية، فكانت الحروب الصليبية، وقادها أربعة من كبار أمراء أوربا، فساروا بجموعهم واكتسحوا الأناضول، وما زالوا في انتصاراتهم وتقدمهم حتى دخلوا الشام وأقاموا به أربع دول، عليها أربعة أمراء منهم، وهي: «الرها» و«أنطاكية» و«طرابلس» و«بيت المقدس».

ارتاع العالم العربي الإسلامي لهذه الأحداث العظيمة، وهو المعتز بدينه، الفخور بقوميته، الذي يرى بحق أن مدنيته وعزته خير وأعظم من مدنية أوربا إذ ذاك، ولكنه كان مفرقا مبعثرا لا تجمعه جامعة؛ فدولة الفاطميين في مصر تعالج سكرات الموت، والبلاد التي كانت تكون الدولة العباسية مقسمة موزعة بين أمراء مختلفين، والعداء مستحكم بين الفاطميين في مصر والعباسيين في العراق وما إليه، فجاءت صدمة الحروب الصليبية فنبهتهم من رقدتهم، وأرتهم عاقبة تفرقهم.

وكانت نفسية الشعوب خيرا من نفسية أمرائهم؛ فصرخت الشعوب تنبه على الخطر، وتدعو إلى ترك الخلاف بين الأمراء وتضحية شهواتهم للمصلحة العامة، وإبعاد من لم يلب الدعوة منهم، وعلى هذا الوجه تمت إرادة الشعوب، وظهر في العالم العربي إذ ذاك بطلان عظيمان يقودان هذه الحركة، ويخصصان أنفسهما لدفع العدو المغير على البلاد، وهما: نور الدين محمود زنكي، وكان والي حلب ودمشق وما حولها، وقد أبلى بلاء حسنا في رد الصليبيين، وأخذ بعض البلاد الإسلامية منهم، والثاني: بطلنا صلاح الدين الأيوبي، الذي بدأ فوحد البلاد المصرية والشامية وغيرهما، وجعلها كلها في قبضة يده، حتى كانت مملكته تمتد إلى آخر حدود النوبة جنوبا وبرقة غربا، وبلاد الأرمن شمالا، وبلاد الجزيرة والموصل شرقا، وبعدما تم له ذلك وجه كل قوى هذه البلاد لطرد الصليبيين إلى بلادهم، فكان له ولشعوبه العربية ما أرادوا.

لقد كان صلاح الدين يفكر أيضا هل يحارب في ميادين متعددة أو يحارب في ميدان واحد؟ ثم هداه طول التفكير إلى الرأي الثاني، وهو الحرب في ميدان واحد، فكان من ذلك واقعة «حطين» العظيمة.

لقد استدرج صلاح الدين خصومه حتى تجمعوا له، فنازلهم بمجموعة في حطين بالقرب من طبرية، وتحمس الفريقان حماسة هائلة، وكان في الصليبيين فرقتان مشهورتان بالبسالة والاستماتة في القتال؛ وهما فرقتا الداوية والاسبتارية، أشبه شيء اليوم بفرقتي الهاجانا واشترن، وبيعت الأرواح في هذا اليوم بيع السماح، وحرض صلاح الدين المؤمنين على القتال، وكان الزمن زمن قيظ، فكانوا مع ذلك يأتون بالعجائب من أعمال البطولة، وأخيرا هزمت جيوش الصليبيين، وأسر الملك واستسلم من بقي من الفرسان، ووصف واصف ما حدث في تلك الموقعة فقال: «وكان من يرى الأسرى لكثرتهم لا يظن هناك قتلى، فإذا رأى القتلى حسب أنه لم يكن هناك أسرى»، ولما شاهد صلاح الدين ذلك سجد لله شكرا وبكى من السرور.

وأثر انتصاره في موقعة حطين على موقف القتال جميعه، فكان ينتصر بالرعب، فإذا توجه لحصار بلد انخلعت قلوب الصليبيين لمقدمه، فسلمت له قلعة طبرية سريعا، ثم سار إلى عكا ففتحها في زمن قليل، ثم طهر الساحل من يافا إلى ما بعد بيروت، ولم يضع الزمن فانقض على الصليبيين في بيت المقدس وحاصرها حصارا شديدا؛ وعرض على أهلها الصلح، وأن يعوضهم أرضا زراعية فأبوا، فاستعد لقتالهم، وتلمس نقط الضعف في سور المدينة، فوجد أضعف نقطة عند الباب المعروف بباب كنيسة صهيون، فنصب المجانيق، ونظم الرماة، وبعث بالجنود تنقب الثغرات، فلما يئس الصليبيون من أمرهم بعد حصار وقتال داما أسبوعا استسلموا، وبعثوا إلى صلاح الدين يطلبون الصلح، فأبى صلاح الدين أولا، وطلب أخذ المدينة عنوة؛ ليفعل بالفرنج مثل ما فعلوه بالمسلمين يوم دخلوا المدينة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٩٢