تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متواضع لا يرى لنفسه ميزة على أي رجل من جنده؛ لقد كان يأبى أن يقدم إليه شيء أكثر مما يقدم لجندي من جنوده، ومات ولم يملك من حطام الدنيا إلا سيفه وترسه، ولم يكن في بيته ما يأكل إلا كسيرات من الخبز.

من أجل هذا كان أبو عبيدة من أحب الناس إلى جنده، ومن أحبهم إلى من يتولى عليهم، ومن أحبهم إلى خليفته؛ فيروون أن عمر بن الخطاب قال يوما لجلسائه: «تمنوا»، فأخذ كل جليس يتمنى، فقال عمر: «أما أنا فإني أتمنى بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح»، وقال فيه عبد الله بن عمر: «ثلاثة من قريش أصبح الناس وجوها وأحسنهم أحلاما وأثبتهم جنانا، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح».

فلو قلنا إن فتح الشام وفلسطين في العهد الأول من عهد الإسلام كان أكبر الفضل فيه لأبي عبيدة بن الجراح لكان قولا صادقا؛ لقد تم الفتح بحسن قيادته، وما وضعه من خطط، وما بث في نفوس الجنود من حماسة، حتى يروى أنه في واقعة من وقائع الشام استعظم الناس جند الروم واستعدادهم وكثرتهم، فقام أبو عبيدة في جنده خطيبا يقول: «أيها الناس! إن هذا اليوم له ما بعده، أما من حي منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره، وأما من مات فإنها الشهادة، فأحسنوا بالله الظن، ولا يكرهن إليكم الموت أمر قد اقترفه أحدكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة، فإني أشهد وليس الأوان أوان كذب أني سمعت رسول الله يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة».

فلما سمعها الجند كانوا كأنما فكوا من عقال، ونشطوا نشاطا لم ير مثله، وخرج بهم إلى القتال وخالد بن الوليد على الميمنة، وابن عباس على الميسرة، وأبو عبيدة في القلب، فقاتلوا قتالا عنيفا حتى انهزم هرقل بجنوده، وظفر المسلمون ظفرا عظيما.

وتم فتح الشام وفلسطين والأردن كلها على يده وعلى يد أعوانه من القواد العظام؛ أمثال خالد بن الوليد، وخالد بن سعيد، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاوية، وحبيب بن مسلمة الفهري.

وقد عاش ما عاش لدينه وعقيدته، ولم ينل شيئا من الدنيا، حتى إن عمر حين قدم إلى الشام واستقبله أبو عبيدة قال له عمر: «اذهب بنا إلى بيتك»، ولعله كان يريد استطلاع ما ادخره أبو عبيدة، وهل يعيش عيشة ترف ونعيم، فقال له أبو عبيدة: «وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي!»، ثم دخل منزله فلم ير شيئا، فقال: «أين متاعك وأنت أمير؟»، ثم سأله: «أعندك طعام؟»، فقام أبو عبيدة إلى جونه فأخرج منه كسيرات، فبكى عمر وقال: «غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة».

حتى لقد كان عظيما في موته؛ فقد أصيب في الشام بطاعون في سنة ثماني عشرة من الهجرة، سمي طاعون عمواس، وانتشر في البلاد، وكان أبو عبيدة قائد الجند، ومات من جنده كثير، فاستدعاه عمر أن يذهب إلى المدينة؛ خوفا من عمر أن يصيب أبا عبيدة ما أصاب الجند من الطاعون، فأبى أبو عبيدة، وكتب إليه:

إني في جند من المسلمين، لن أرغب بنفسي عنهم، فإذا أتاك كتابي هذا، فحللني من عزمتك، وائذن لي في الجلوس.

وبقي في الجند يتعذب عذابهم، ويتحمل العناء معهم، حتى أصابه الطاعون فمات عظيما كما عاش عظيما. (2) صلاح الدين الأيوبي

أحدثكم عن بطل آخر عظيم من أبطال العرب، وهو صلاح الدين الأيوبي، وهو - لا شك - بطل عربي مهما قيل إن أصله كردي، وإن مولده في آذربيجان؛ ففي اعتقادنا أن كل من نشأ في البلاد العربية وتثقف الثقافة العربية عربي، وهذا هو الشأن في جميع العالم؛ فمن نشأ في إنجلترا وتثقف الثقافة الإنجليزية فهو إنجليزي؛ سواء كان أجداده فرنسيين أو ألمانا، وهكذا الفرنسيين والألمان، وإلا ما عد نابليون فرنسيا، ولا بعض ملوك إنجلترا إنجليزيا، وهكذا؛ فصلاح الدين عربي بهذا المعنى من غير شك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٩١