تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويطول بنا القول لو عددنا المعاني التي ابتكرها والمعاني التي أخذها من غيره فجملها وزينها، وأخذها - كما يقولون - عباءة وأخرجها ديباجا.

كذلك كان شأنه في الغزل بالمذكر، هل هو منشئ هذا الباب وفاتحه على مصراعيه؟ فقد فشا حب الغلمان والحديث عن الغلمان في عصر أبي نواس أكثر مما كان في عصر بشار، وأفرط الناس فيه، وتسرب إلى قصور بعض الخلفاء، حتى إن زبيدة رأت هذه الميل في الأمين فاتخذت له سربا من الجواري في زي الغلمان، وأطلق عليهن «الغلاميات»، فكان أبو نواس أصدق معبر عن هذا المرض الاجتماعي لتهتكه وفجوره، ولنشأته منذ صباه هذه النشأة، فتفنن ما شاء في وصف الغلمان وقدودهم وخدودهم، وكل ما يتصل بهم، وكون من ذلك كله بابا في غزل المذكر، على نمط ما قال الشعراء قبله في غزل المؤنث، وأضاف إلى أبواب الأدب بابا جديدا لا يزال مفتوحا إلى اليوم.

فكاهته الحلوة

وشيء آخر كان لأبي نواس فيه الحظ الأوفر والقدح المعلى، وهو فكاهته الحلوة، ونادرته العذبة، ومجونه الفكه؛ فقد كان ينغمس - كما قلنا - في الملاهي والملذات، ويعل منها وينهل، وقد كان مع هذا صريحا إلى أقصى حدود الصراحة، لا يهاب أحدا، ولا يرعى دينا، فيرسل نفسه على سجيتها، ويصوغ من مجالسه وحياته وخلانه وندمانه شعرا لطيفا يستخرج العجب ويثير الضحك، ويعمد إلى من يعيبون عليه استهتاره، وإلى المتزمتين من رجال الدين ورجال اللغة، وإلى الثقلاء من أي صنف، فيهجوهم ويتنادر عليهم، ويلذعهم لذعا فاحشا مؤلما في لغة سهلة سلسلة يفهمها كل من سمعها، وفي دعابة قاسية مضحكة.

ومن أجل ذلك اشتهر أبو نواس بالفكاهة والمجون، وجرى أهل زمانه على مثاله، فداعبوا مداعبته ومزحوا مزاحه، وأرادوا ذيوع نوادرهم، وأن تقع من الناس موقعا حسنا، فنسبوها إليه كما نسبوا إلى «جحا» كل ما صنع بعده من جنس قصصه وملحه.

أما بعد، فقد وضع أبو نواس في الأدب العربي أسسا إن لم ترض الأخلاق، فقد أرضت فن الأدب، وإن كرهها رجال الدين، فقد أحبها رجال الفن، على أن رجال الدين ورجال الأخلاق وإن كرهوها من أبي نواس، وشددوا النكير عليها، فلم يمنعوا أنفسهم من الانتفاع بها والاستفادة منها؛ فقال الصوفية في الغزل الإلهي ما قال أبو نواس في الغزل المادي، ووصفوا خمرهم الروحية بما وصف به أبو نواس خمره الحسية، وما قاله أبو نواس صراحة، قالوه هم كناية، فكان هو المشرع لهم، وسالك الطريق قبلهم.

الفصل السابع عشر

| صفحة من سير البطولة العربية

(1) أبو عبيدة بن الجراح

بطل من أبطال قريش، اشتهر في قومه قبل إسلامه بالرأي والدهاء، فكان يقال: داهيتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، وكان من أسبق الناس إلى الإسلام، وكان مخلصا لدينه، مخلصا لعقيدته ، مخلصا لرسول الله منذ أسلم، حتى لقبه رسول الله بأمين هذه الأمة؛ علما بصدق إيمانه وقوة يقينه: استخلفت أمين الله وأمين رسوله.

ظهرت بطولته حين صحب رسول الله في غزواته، ثم ولاه أبو بكر قيادة جيش من الجيوش التي وجهها لفتح الشام، فلما تولى عمر قيادة الجيوش كلها التي أرسلت لفتح الشام، بعد أن عزل عن الإمارة خالد بن الوليد، ففتح دمشق بعد أن حاصرها سبعين ليلة، ثم سار إلى أرض الأردن وهزم جيوش الروم، ثم سار إلى بيسان ففتحها، ثم إلى حمص وحماة وحلب وأنطاكية، ففتحها كلها؛ إما عنوة وإما صلحا.

وكل بلدة يفتحها يرتب فيها الجيوش المحافظة عليها، وينظم شئونها، فيبسط العدل فيها، حتى إذا رأى أهل البلاد حكم المسلمين لهم، ووازنوه بحكم الروم، فضلوا حكم المسلمين، ومكنوا لهم من البلاد، وعاونوهم في الفتح.

لقد جمع أبو عبيدة بين مهارته الحربية ومهارته السياسية؛ فإذا حارب عرف كيف يقاتل، وكيف يحاصر، وكيف يفتح، فإذا تم له الغلب عرف كيف يسوس الناسن وكيف يحكمهم بالعدل حتى يستخرج رضاهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٩٠