فصرخ فيهم أبو نواس صرخة قوية، يريد أن يردهم عن باطلهم، ويصدهم عن تصنعهم، ويطلب إليهم أن يصفوا أنفسهم، ويشعروا في واقعهم، فإذا لم يشموا عرارا فيجب ألا يذكروا العرار، وإنما يذكرون الورد والنرجس، وإذا كانوا يشربون الخمر، فلا يصفون شرب الألبان، وإذا كانوا يأكلون لحوم الضأن، فلا يذكرون أكل الضب، وإذا كانوا لا ينتسبون إلى قبائل، فما معنى ذكر أسد وطيء وتميم وقيس، وقد أكثر من ذلك في قصائده؛ ولا سيما الخمريات، فقل أن تخلو قصيدة فيها من التنبيه على هذا المعنى.
دع الأطلال تسفيها الجنوب
وتبكي عهد جدتها الخطوب
وخل لراكب الوجناء أرضا
تحث بها النجيبة والنجيب
ولا تأخذ من الأعراب لهوا
ولا عيشا فعيشهم جديب
ذر الألبان يشربها أناس
رقيق العيش عندهم غريب
بأرض نبتها عشر وطلح
وأكثر صيدها ضبع وذيب
إذا راب الحليب فبل عليه
ولا تحرج فما في ذاك حوب
فأطيب منه صافية شمول
يطوف بكأسها ساق أريب •••
عاج الشقي على رسم يسائله
وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد
لا در درك قل لي: من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما
ليس الأعاريب عند الله من أحد
لا جف دمع الذي يبكي على حجر
ولا صفا قلب من يصفو إلى وتد
كم بين ناعت خمر في دساكرها
وبين باك على نؤى ومنتضد
والديوان مملوء بالشواهد على هذا المعنى، فهو يريد أن يكون الشعراء واقعيين، يصفون حياتهم، ويذكرون لذاتهم، ولا لذة عنده خير من الخمر، ولا ذكر أحلى عنده من ذكر الخمر، وهو في هذا أسبق الشعراء إلى هذه الدعوة - فيما أعلم - وأصرحهم، وإن كانت دعوته لم تلق نجاحا كبيرا، فظل الشعراء بعده إلى يومنا يصفون الأطلال، ويقطعون الفيافي على ظهور الإبل، ويستعذبون ذكر الجمل والهودج، وإن ركبوا القطار والطيارة، حتى إن أبا نواس لم يلتزم مذهبه دائما، ووقع فيما حذر منه أحيانا؛ فكان يقول مثلا:
أربع البلى إن الخشوع لباد
عليك وإني لم أخنك ودادي
ويقول:
لمن دمن تزداد حسن رسوم
على طول ما أقوت وطيب نسيم
ويقول:
ألا حي أطلال الرسوم الطواسما
عفت غير سفع كالحمام جواثما
أبرز نواحيه في التجديد
وعلى العموم، فقد كان مجددا يدعو إلى الحياة الواقعية في باب اللذائذ، ويسير في كثير من الأحيان على نمط السابقين في باب المديح، وشأنه في ذلك شأنه في اللغة والأسلوب أيضا؛ فهو في باب اللذائذ يذوب رقة، وينفر من الغريب، ويترك على سجيتها لا تكلف ولا تصنع، وهو في باب المديح جزل الأسلوب، جار على نمط القدماء، مستعمل للغريب من الألفاظ، والرصين من الأسلوب، كما ترى في قصيدته: «أيها المنتاب من عفره».
ومن أهم ما أتى به أبو نواس أنه فلسف اللذة كما فلسف أبو العتاهية الزهد ، لقد أوتي أبو نواس حسا مرهفا لإدراك اللذة، وشعورا حساسا دقيقا للاستمتعاع بها، ولسانا فنانا في التعبير عنها، يلذ الخمر والغلمان، ويلذ أن يسمع اسميهما، ويلذ أن يقول فيهما، فأفاض في الحديث عنهما كما أفاض في الاستمتاع بهما، وأخذ يولد المعاني فيهما حتى كاد لا يدع معنى لقائل.
قد شعر بشار في الخمر قبله، ولكن ما وصل إلينا من شعره فيها قليل، وهو فيه لا يكاد يخرج عما استنه قبله الأعشى والأخطل، وقال فيها مسلم بن الوليد فأبدع بعض الإبداع، ولكن أحدا منهما لم يدان ما قال فيها أبو نواس، ولقد أبدع في تصويرها وتشبيهها وفعلها في النفس، كما أبدع في كل ما يتصل بها من نديم وساق وكأس وخمار، وكما أبدع في وصف مجلسها وما فيه من ريحان وأزهار وطرب وغناء وجوار وغلمان.
يشربها صرفا وممزوجة، وفي السر والجهر، وشربا متواصلا ومتقطعا، ومطبوخة بالشمس وبالنار، وفي الدور وفي البساتين، وساقيه جارية أو غلام، أو جارية في زي غلام، ويشرب في الأرطال وفي الكؤوس العسجدية قد صورت عليها التصاوير، وهو في كل هذه يصف فيجيد الوصف، ويظل وراء المعنى يولده ويقلبه على أشكاله المختلفة حتى يستنفده، وما يفوته في قصيدة يتممه في أخرى، حتى أوفى في ذلك على الغاية، وخلف للشعراء بعده ثروة ظلوا ينفقون منها إلى اليوم.