قد تسألني: إن هذا العمل الضخم يحتاج إلى مال كثير، فمن أين نأتي بهذا؟ فأقول: إن هذا المال يسهل على الشعوب العربية المختلفة أن تتحمله؛ فهي قادرة على تخصيص مليون من الجنيهات، أو مليونين، أو أكثر متى صدقت النية، ومثل هذه المبالغ أنفقت فيما يقل عنها فائدة، ولكن العلم والأدب ضائعان دائما، وتبذر الأموال فيما لا يبقى ولا يفيد، وتحجز الأموال عما يبقى ويفيد، واستنارة مئة واحدة من كل أمة من هذا العمل الضخم يساوي هذا المبلغ أو أكثر منه؛ فقتل الجهل لا يقل شأنا عن إحياء نفوس الأفراد، والشرقيون على العموم لا تنقصهم الفكرة الصالحة، فعندهم آلاف من الآراء النافعة، ولكن ينقصهم ربط الفكرة بالعمل، والتنظيم الإداري للتنفيذ، والأمم تختلف في ذلك اختلافا كبيرا؛ فالأوربيون على العموم أكثر تنفيذا للفكرة من الشرقيين، وربما كان الأمريكيون أكثر من الأوربيين في ذلك؛ فقد عد من أكبر فضائلهم ربط الفكرة بالعمل، ولو كانت الفكرة غريبة.
أما الشرقيون، فلا يخلو مجلس من مجالسهم من اقتراحات، ومن تعداد للعيوب، ومن ذكر وسائل لإصلاحها، ولكن كل هذه المجالس تنتهي بعد الأخذ والرد بقولهم ... أصلح الله الحال ... لأن الله لا ينزل الإصلاح من السماء، من غير مباشرة عمل منهم، وقد عهدنا - كما قال عمر - أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، ونقول نحن: ولا تمطر دوائر معارف، ولا تمطر أنواع الإصلاح المختلفة، ما لم يبدأ الزعماء بالعمل، والله الموفق!
الفصل السادس عشر
| أبو نواس
الشاعر المجدد
شهد العصر العباسي الأول زعيمين من زعماء التجديد في الشعر:
أولهما:
بشار ابن برد
وثانيهما:
أبو نواس
فأما بشار فأكبر ميزة له - استحق من أجلها أن يلقب بزعيم المحدثين - أنه كان فنانا بارعا، استطاع أن يصور بفنه الحياة الاجتماعية الجديدة في العصر العباسي تصويرا دقيقا؛ فقد تغير نظام الحياة الاجتماعية عما كان عليه في الدولة الأموية في جميع مناحي الحياة: في اللهو وفي الجد، وفي السياسة وفي العلم، وفي النزعات المختلفة من عصبية غريبة، وميل إلى الشعوبية، وغير ذلك، فكانت كل هذه النواحي تتطلب شاعرا ماهرا ينغمس فيها ويصورها، ويغترف منها ويعرضها، لا يكون مقلدا في شعره جاهليا ولا أمويا؛ لأن الحياة العباسية ليست جاهلية ولا أموية، فوجدت في بشار لسانها الناطق وريشتها الماهرة ويدها الفنانة؛ فغزله لم يكن بدويا متعففا، إنما كان حضريا متهتكا، وفخره لم يكن بقبيلته، إنما كان بفارسيته، وهجاؤه لم يكن كهجاء جرير والفرزدق والأخطل يعير بعضهم بعضا بفعال القبائل، إنما كان يهجو بالرمي بالكفر والزندقة والقدح في الأعراض في فحش وشناعة.
وعلى الجملة، فكان يجيد صياغة ما يتحدث به الناس، وما يحبون، وما يكرهون، وما يعرفون، وما ينكرون، وكما أصبحت حياة الناس ناعمة رخوة أصبح شعر بشار في الكثير الغالب ناعما رخوا، يفهمه الرجال والنساء، والأحرار والإماء، ويتمثلون به في مواقفهم، ويتغنون به في مجالسهم، ويشعرون أنه المعبر عن عواطفهم، المغذي لمشاعرهم.
إن أغرم الأصمعي وأبو عمرو بن العلاء وأمثالهما من العلماء بشعر الجاهلية وبشعر جرير والفرزدق والأخطل من الأمويين، للغته وغريبه، فإن الشعب أغرم بشعر بشار؛ لأنه صورة صادقة له، يمثل حياته ويرسم آلامه.
من أجل هذا كله كان بشار زعيم المجددين.
المجدد الثاني
وجاء بعده أبو نواس، فسار على أثره وجدد ما فاته، فإن كان بشار يستحق لقب «المجدد الأول» فإن أبا نواس يستحق لقب «المجدد الثاني».
ولنعرض الآن في إيجاز لضروب التجديد التي أتى بها أبو نواس:
رأى أبو نواس طائفة كثيرة من الشعراء لا يزالون يتبعون منهج الجاهلية في الشعر، فيبدءون بالوقوف على الأطلال، وبكاء النؤى والأحجار، ولا أطلال في العراق ولا نؤى ولا أحجار، ويشمون الشيح والقيصوم، ولا شيح ولا قيصوم، ويشعرون شعرا بدويا، وهم يعيشون عيشا حضريا؛ فيصفون الإبل وسيرها، والصحراء وأرضها ونبتها، والصيد وضباعه وذئابه، والجزور وما فعلوا به، والخيام وطنبها وأوتادها، ويعددون أسماء القبائل وفعالها، ولا شيء لهم في الحقيقة من ذلك، لا يصفون واقعا، وإنما يصفون خيالا، ولا يعبرون تعبيرا صادقا، ولكن تقليدا وادعاء.