تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد أن يتفرغ لها المتخصصون بجميع الأقطار العربية؛ كل في فرعه الخاص، من فلسفة وعلم وأدب وفلك ورياضة إلى غير ذلك، وهذا عمل ضخم يحتاج:

أولا:

إلى مال كثير؛ لأن الأيام عودتنا أن من لم يؤجر لا يعمل،

ثانيا:

يحتاج إلى إنشاء مكتب فني يكون من اختصاصه وضع الفيشات لكل المواد على حسب التسمية العربية، وتوزيع كل مادة أو طائفة من المواد على الفروع المختلفة، وهذا لا بد له من مهارة فنية خاصة،

وبعد ذلك يطبع طبعا أنيقا محلى بالصور والخرائط، وتساهم فيه جميع الأقطار العربية، وعندئذ فقط يمكن أن نقول إننا وضعنا الحجر الأساسي للنهضة الشرقية؛ فدائرة المعارف هذه كفيلة بأن تذيع الثقافة العالية بين المتنورين من المتكلمين بالعربية، ولا نكون إذ ذاك عالة على الغربيين في دوائر معارفهم، ويمكن بعد ذلك أن نقوم باختصار لهذه الدائرة لتكون قرب اليد ونهزة المستنجد.

وربما كان لا بد أن يسبق هذا تنسيق وتوسيع للمعاجم المختلفة؛ هذا معجم للغة يوافق حاجات العصر، وهذا معجم للطب كذلك، وهذا معجم للجغرافيا، ونحو ذلك؛ بحيث تكون مواد أولية لدائرة المعارف، وإذا كان الغربيون يولون أكبر عنايتهم لعلماء الغرب ونوابغهم وشعرائهم وأدبائهم وفلاسفتهم، فلنول نحن عنايتنا برجالنا ونوابغنا وعلمائنا وفلاسفتنا وأدبائنا وشعرائنا؛ سواء منهم الأقدمون أو المحدثون، وإذا كان الغربيون يولون اهتمامهم لجغرافية بلادهم، فلنول نحن اهتمامنا بجغرافيتنا، ولنا من التراث القديم والتراث الحديث ما يملأ أجزاء عدة، وعندنا من المختصين في كل علم وفن من يستطيع أن يملأ مادته بحمد الله، مستعينين على ذلك بما سبقنا به الغربيون في تدوين دوائر معارفهم، وعندنا أيضا من الموسوعات اللغوية أمثال لسان العرب والمخصص، والموسوعات الأدبية والتاريخية والجغرافية أمثال نهاية الأرب وصبح الأعشى ونحو ذلك.

ولم تبق أمة حية على وجه الأرض من غير أن يكون لها دائرة معارف بلغتها، تسايرها مع الزمن، وكلما تقدم العلم والفن طبعتها طبعة جديدة تساير العلم والفن، إلا الشعوب العربية؛ لأنها وقفت ولم تقم بهذا العمل، وربما كان أكبر سبب في ذلك أن الشعوب العربية لم تضع مصطلحات حديثة للعلوم والفنون الحديثة، وإذا وضعت شيئا لم تتفق كل البلاد على مصطلح واحد؛ هذه بلد تقول الطبيعة، وأخرى تعرب الكلمة الإفرنجية وتسميها فيزيقيا، وهكذا يجب أن توحد هذه المصطلحات أولا، وتتم ثانيا، ثم تستغل في دائرة المعارف ثالثا، فمما لا شك فيه أن دائرة المعارف هذه من أول مظاهر المدنية الحديثة.

وقد كان المسلمون الأولون يؤلفون دوائر معارف؛ مثل إخوان الصفا في الفلسفة، وكتب الجاحظ في الاجتماعيات والأدبيات ونهاية الأرب ومسالك الأبصار في العلوم المختلفة، ولكنها لم تكن شاملة من جهة، ولم تكن مرتبة على حسب حروف المعجم من جهة أخرى، فجاءت المدنية الحديثة فنظمت هذا العمل ووسعته، وجعلته وفق حاجات العصر الحديث، فما بالنا لا نعمل عملهم ولا نسير سيرهم، والحاجة شديدة إلى مثل عملهم!

إن كثيرا من الشبان يهرعون إلى دوائر المعارف الأجنبية، فيأخذون منها بغيتهم، ولكن المثقفين باللغة الأجنبية في كل أمة عدد قليل، بجانب الكثرة البالغة ممن لا يعرفون غير لغتهم، ولقد سئل السيد أحمد خان (رحمه الله)، عن أيهما خير: أنعلم طائفة من الهنود لغة أجنبية أم ننقل العلوم والمعارف الأجنبية إلى لغة البلاد؟ فنصح بالطريقة الثانية؛ لأنها تثقف عددا أكبر، وقال: لوددت أن أكتب بحروف من نور على جبال الهملايا مطالبا بنقل العلوم والمعارف الأجنبية إلى لغة البلاد.

لقد مر على الأمم العربية زمان طويل يزيد على مئة سنة، وكان هذا يكفي لتعريب المصطلحات الأجنبية، واستخدامها في دائرة المعارف العربية، ولكن شيئا من هذا لم يحدث إلى اليوم فتراكمت المصطلحات والمعلومات، وأصبح العمل شاقا عسيرا؛ لأن العلم لم يقف عند حد، وكلما مر الزمن تضاعفت المواد، فما لم تبادر الأمم العربية غرقت في هذا التيار الغزير قبل أن تتغلب عليه، ومن غير شك تأليف دائرة المعارف العربية ومساهمة الشعوب العربية في وضعها يوثق الصلات بينها، ويقلل من الاختلافات اللغوية والعلمية والأدبية، ويجعلها تسير سيرا واحدا، وفي طريق واحد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٨٧