وأخيرا رأينا الأدب العربي يتبع هذه النزعة، ويبعد قليلا قليلا عن الاستظلال بالأمراء، ويقرب قليلا قليلا من الاستظلال بالشعب؛ فلئن كان شوقي في حياته الأولى شاعر الأمير، فهو في حياته الأخيرة شاعر الشعب، وأخذ شعراء العراق والشام ومصر يتغنون بالحرية، ويعلنون ألمهم من الظلم وأملهم في تحقيق العدل، وطرق كتابهم وشعراؤهم موضوعات شعبية صرفة بعد أن كانوا يقفون أدبهم وشعرهم على مديح الأمراء والخلفاء؛ فقاسم أمين يكتب في تحرير المرأة، وشوقي يشعر في بنك مصر، ويرثي مصطفى كامل وسعد زغلول، ويلتفت إلى موضوعات شعبية بحتة؛ كانتحار الطلبة والعمال ونهضة مصر؛ هذا شوقي الأرستقراطي فما بالك بحافظ الذي أخذ يتابع الحركة الديمقراطية ويصوغ فيها شعره!
وكان من أكبر مظاهر الديمقراطية في الغرب والشرق نضج «فن الروايات»؛ فهي تعنى أكبر عناية بتحليل حياة العامة والجماهير، وقلما تعنى بحياة البلاط، فالديمقراطية - لما كان أثرها الشعور بالذاتية - وجهت الأدب إلى تحليل الشخصيات وتحليل أنواعها وضروبها، وما كان يمكن أن يرقى هذا وذاك في أحضان السلطة الأرستقراطية.
وتبع شعور الفرد بنفسه وشخصيته أن رأينا كثيرا من الأدباء يتحولون من مدح غيرهم إلى تحليل نفوسهم؛ فطه حسين يكتب «الأيام» يشرح فيها طورا من أطوار حياته ويصور فيها مشاعره، وهيكل يشرح ما يشعر به في رحلاته إلى السودان والحجاز، والعقاد يحلل في بعض مقالاته نفسه، بل يحلل نفسية كلبه وخادمه ... إلخ.
وعلى الجملة، ظهرت أعراض الديمقراطية في الأدب العربي بأشكالها المختلفة، وهي سائرة في طريق كمالها، فكما أن النزعة الأرستقراطية تعد الفرد للدولة، والنزعة الديمقراطية تعد الدولة للفرد، كذلك الشأن في الأدب؛ ففي العهد الأرستقراطي يعد الفنان ليكون طرفة للقصور، وفي العهد الديمقراطي تعد القصور لتكون طرفة للفنان.
وبعد أن كانت ساحة الأدب والشعر هي القصور؛ لأنها حصن الأرستقراطية، أصبحنا نرى ساحة الأدب هي الكتب والجرائد والمجلات؛ لأنها مظهر الديمقراطية، وبعد أن كان الأديب يعيش على موائد الأمراء ومن عطائهم وهباتهم أصبح الأديب والشاعر يعيش على موائد الشعب ومن عطائه وهباته، وإن كانت الشعوب أحيانا - وخاصة في الشرق - تهمل من يغني لها، فيلذها غناؤه ولا يؤلمها بؤسه وشقاؤه.
الفصل الخامس عشر
| تعاون العرب في وضع دائرة معارف عربية
كل الأمم الحية اجتهدت في أن تضع لها دائرة معارف تشتمل كل الفروع، وهي تجددها كلما مر زمن تغيرت فيه معالم العلوم، حتى إننا نرى (الأنسيكيليوبديا) الإنجليزية جددت أربع عشرة مرة، وسارت الأمم الأخرى سير إنجلترا في دائرة معارفها، وكل أمة تعتز بذلك لأنه يدل على تقدمها ونهوضها ، ومن المؤسف أن الدول العربية لم تضع لها دائرة معارف كاملة إلى اليوم!
لقد فكر في ذلك في عهد إسماعيل المعلم بطرس البستاني، وأمده إسماعيل بجزء من المال، ولكن كان عيبها:
أولا:
أنه لم يكن قد وصل في تأليفها إلا إلى حرف العين ولم يتمها، واختارته المنية هو وابنه قبل إتمامها.
وثانيا:
أن العلوم والآداب والفنون تقدمت منذ عهده، ولم تعد دائرته صالحة كل الصلاحية.
وقام بمثل هذا العمل أيضا الأستاذ محمد فريد وجدي، ولكن عيبها أيضا أنها غير وافية، وثانيا، أنه اعتمد فيها على نفسه فقط، ولم يستعن بالإخصائيين، مع أن دائرة المعارف عادة تشمل الجغرافيا والتاريخ والأدب والطبيعة والكيمياء والحساب والهندسة والفلك وما إلى ذلك، ومحال أن يلم إنسان كائنا من كان بهذه الفروع كلها، فضلا عن التبحر فيها!
فما أحوجنا اليوم إلى دائرة معارف تناسب العصر؛ نعم، قام بعض كبار المستشرقين بدائرة معارف إسلامية، ولكنها مقصورة على المواد الإسلامية من جهة، وغير مشبعة بالروح الإسلامية من جهة أخرى، وهذه الدائرة التي نطمح إليها لا بد أن يسبقها الفراغ من وضع المصطلحات الحديثة في الأدب والعلم والفن؛ ليستعين بها كتاب دائرة المعارف، وهذه وظيفة المجامع اللغوية؛ يضعون المصطلحات لهذه الأمور كلها، يفرغون منها ويتفقون عليها، والطريقة المثلى في ذلك أن يمسكوا بدائرة من دوائر المعارف الأجنبية الفنية ويفرغون من وضع مصطلحات لها، ثم يأتي دور كتاب دائرة المعارف.