كل هذا وأمثاله قلب الأدب إلى أدب أرستقراطي، وأعني به الأدب الذي قيل في الخلفاء والأمراء مديحا أو رثاء، أو إجابة لمطلب لهم من وصف مائدة ووصف طرفة ووصف روضة ونحو ذلك، أو قيل تحريضا من الخلفاء والأمراء للشعراء على هجاء أعدائهم، أو كتابا أدبيا ألفه الأديب لخليفة أو أمير، وعلى الجملة، كل ما قصد به أمير أو بعث على الإتيان به أمير.
وهذه هي الخاصة الواضحة في الأدب العربي في القرون الوسطى، فلو نظرت إلى الأدب الذي قيل في هذه الأغراض ولهذه الأسباب، لوجدته طاغيا على غيره من الآداب؛ أي إن الشاعر القدير قل أن يغني لنفسه في شرح عاطفة تملكته، أو مناظر أعجبته، أو يشعر للشعب في وصف آماله وآلامه، أو للإنسانية في وصف سرائها وضرائها، وإنما همه إذا أجاد أن يحتمي في حمى خليفة أو أمير أو وزير يغني له ويقول ما يعجبه.
لنضرب لذلك مثلا مختارات البارودي؛ فقد اختار لثلاثين شاعرا من شعراء الدولة العباسية، فبلغ ما اختاره لهم من المديح 24185 بيتا من الشعر، على حين أن ما اختار لهم من الأدب 1697 بيتا، ومن الغزل 4616، فإذا أضفت ما اختاره لهم من الرثاء والهجاء إلى المديح - لأنها كلها أرستقراطية - بلغت 32407، وهي نسبة كبيرة جدا لبيان طغيان الأدب الأرستقراطي على النزعات الأخرى، وخاصة إذا علمت أن كثيرا من الغزل كان ليس إلا تمهيدا للمديح، وأن كثيرا من أبيات الأدب ليست إلا تعليلا للمديح، ثم تبحث في كل هذا عن نصيب الشاعر من شعره، أو نصيب الشعب منه، فلا تجد إلا القليل.
وهذه ظاهرة طبيعية اجتماعية أيضا؛ فالخلفاء والأمراء كانوا كل شيء، والشعب مهمل إلا في النادر، فانصرف الفن إليهم، ومثل الأدب في ذلك التاريخ؛ فالتاريخ في هذه العصور لم يؤرخ إلا الملوك والأمراء وحروبهم ونزاعهم وموتهم وولادتهم، ويجهد المؤرخ الصادق الآن نفسه ليعثر على ما يستنتج منه حالة الشعب، فقل أن يجد كلمة في صفحات عدة. •••
سادت بعد ذلك الديمقراطية أوربا في العصر الحديث، وبنيت على أساسين: كل إنسان يجب أن يكون حرا، وكل إنسان يجب أن يشعر بالمسئولية؛ فالقوانين إنما توضع لحماية حرية الأفراد لا لتنفيذ إرادة الملوك، والفرد إذا أطاع القانون فإنما يطيعه لأنه يشعر بفائدته ولمواطنيه، لا لأن سلطة أخرى ينبغي أن تطاع، وعلى الجملة، فقد أحس الفرد أنه يسير نفسه لا يسيره غيره، وأنه سيد في نفسه لا عبد لغيره، ولو كان هذا الغير ملكا أو أميرا.
سادت هذه النزعة أوربا فصبغت كل شيء بلونها، فنظمت الحكومات على هذا الأساس الذي يضمن للفرد حريته ويشعره بمسئوليته، وأثرت في التعليم؛ فشعر كل فرد أن له الحق أن يتعلم، وعلى الحكومات أن تهيئ له وسائل التعلم، بل أثرت هذه النزعة في الانقلاب الصناعي والتجاري والزراعي، وأنتجت نتائج خطيرة ليس هنا موضع شرحها، وإنما الذي يهمنا هنا أنها أثرت كذلك في الأدب فحولته من أدب أرستقراطي إلى أدب ديمقراطي، فأخذ عظماء الأدباء يصورون هذه النزعة الجديدة، فملتن - مثلا - يكتب ويلح في الكتابة أن حقوق الناس أقدم من حقوق الملوك، وأن الناس ليسوا ملزمين بإطاعة الملك الظالم، وأن الناس ولدوا أحرارا، وليس الملوك إلا أجراءها، وكذلك فعل روسو في فرنسا وجفرسن في أمريكا، وأمثالهم كثير.
وتلون الأدب فأصبحت الأغاني الشعبية تتغنى بالحرية، وانتشر نوع من الأدب، وهو «اليوتوبيا» أو «الطوبى» أو «المدينة الفاضلة»، وهي الكتب التي ترسم صورا لمعيشة الناس عيشة أسعد مما يحياها الناس في الواقع، وتعددت موضوعات الأدب التي تؤيد الديمقراطية، فهذا أديب يشيد بالإنسانية، وهذا شاعر يؤيد أمة تجاهد في سبيل استقلالها، وهذا يشهر بظلم القوانين، وهكذا.
وصلت هذه الموجة في سيرها إلى الشرق، فأخذ يحارب الاستعمار، ويجاهد في نيل الحرية، وينشد الديمقراطية، وأخذ يقلد أوربا في حركاته وأعماله، وتشبع القادة بحب الديمقراطية، وتغنوا بها، ونشروا مبادئها بين الناس فآمنوا بها، ورسموا خططا لنيلها، فهذه خطب في المجالس النيابية، وهذه مظاهرات تعرقل أعمال المستعمر، وهذه احتجاجات ومؤتمرات وتشهير بالدول الأوربية وعسفها، إلى كثير من أمثال ذلك.