تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحاجة الأدباء في ذلك أشد؛ لأن طبيعة أدبهم وحياتهم لا تتفق والزهد، ولأن الأوقاف لا تشملهم؛ فليسوا رجال علم ولا رجال دين، فمنهجهم الوحيد الذي يتطلبونه ويقصدونه هو قصور الخلفاء والملوك والأمراء والأغنياء، ففيها عيشة الترف التي تناسب الأدب وتغذيه، وفيها يجد سلعته رائجة وعمله مكافأ، ومن أجل هذا الفرق قد نرى علما خارج القصور، ولكن قل أن نرى أدبا نما وازدهر خارج القصور.

وبعد، فاتصال العلم العربي والأدب العربي بالملوك والأمراء اتصال وثيق، وشرح أسبابه ونتائجه لا يمكن أن يتسع له مقال، فلنجتزئ الآن بهذا القدر.

الفصل الرابع عشر

| أدبنا الحديث أدب ديمقراطي

الأدب ظاهرة اجتماعية؛ كاللغة والحكومة ونظم التربية، كلها تخضع للحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأمة؛ فالجماعة من الناس الذين يعيشون على الصيد، أدبهم من قصص وأمثال وشعر مشتق من نوع حياتهم، والذين يعيشون في مدينة ممدنة منظمة، ينتج أدبهم صورة صادقة من حياتهم، فمحال أن يكون ابن المعتز بدويا أو أن يكون شعره بدويا، ومحال أن يكون طرفة بن العبد حضريا أو أن يكون شعره حضريا؛ فالأدب يشتق مظاهره وموضوعاته وأساليبه من الحياة التي يحياها الأديب، وأدب كل جماعة يعتمد على درجتها في النظام الاجتماعي والاقتصادي.

فلنقصر نظرنا على الأدب العربي من هذه الناحية، فنرى أنه قد مر بأدوار ثلاثة: (1)

أدب قبلي في العصر الجاهلي وصدر العصر الإسلامي. (2)

وأدب أرستقراطي في القرون الوسطى. (3)

وأدب ديمقراطي في العصر الحديث.

فالأدب الجاهلي صورة صادقة لحياة العرب القبلية، فهو يمثل لنا حياتهم الواقعية من غير أن يكون فيها كبير عناية بتجميل، أو تلوين بلون زاه براق، يمثل لنا حياة لا تستند على ثقافة واسعة ولا علم غزير، يمثل حياة حسية لا يتجاوزها إلى الروح والعناية بها؛ فالمرأة الجميلة هي الجميلة جسما، والمنظر الجميل هو ما يدركه البصر جميلا، قد اشتق أدبه من حروبه وعلاقته بالإبل وبالخيل، ورحلته عليهما من مكان إلى مكان، ورعيه لهما، ونحو ذلك.

لا يمكننا أن نسمي هذا الأدب أدبا ديمقراطيا؛ لأن أساس الديمقراطية شعور المرء بنفسه، وتقديرها لشخصية كل فرد؛ عظيما كان أو وضيعا، والشاعر الجاهلي كان يشعر بقبيلته، وأن إغارة أحد من العرب على أحد ليست إغارة فرد بل قبيلة على قبيلة، وأن العار الذي يلحق الفرد يلحق القبيلة، والمفخرة التي يأتيها الفرد مفخرة القبيلة، وعلى الجملة كان شعور الفرد بقبيلته أكثر من شعوره بشخصه.

وإذا استعرضنا الأدب الجاهلي اتضح لنا هذا المعنى؛ فنرى قبيلة الشاعر في المقام الأول، وشخصيته مستترة وراء قبيلته، فهو قلما يعبر «بأنا» وإنما يعبر «بنحن»، وقلما يشيد بذكر أفعال قام بها، وإنما أغلب ما يفخر بأعمال قومه وآبائه، فالشخصية الفردية تكاد تكون معدومة، والشخصية القبلية طاغية عليها؛ ولذلك لا يمكننا أن نسمي الأدب الجاهلي أدبا ديمقراطيا، بل أدبا قبليا. •••

تحضرت الأمة العربية، وفتحت أعظم الممالك، وتدفق المال عليها من البلاد المفتوحة، وكان أكثر المال والغنى في أيدي الخلفاء والأمراء، وإذا كان عطاء للأفراد (مرتب أو ماهية) فللجند وأمثالهم لا للشعراء وأمثالهم، وضاع الشعور القبلي، أو على الأقل أصبحت قبيلة الشاعر لا تعوله كما كانت تعوله في الجاهلية، فوجد الشاعر نفسه أمام أحد أمرين: إما أن يشعر لنفسه ويرضى بالفقر، أو يشعر للخليفة والأمير فيغني لهما، ففضل الثانية.

والخلفاء والأمراء من ناحيتهم رأوا أن الفن - ومنه الشعر والأدب - أداة من الأدوات الجميلة؛ كالتحف تعلق في القصور، وكالدرة الجميلة والعقد الثمين والحجر الكريم، فرحبوا بأهل الفن يزينون بهم قصورهم.

كان الشاعر يرضى من قبيلته بالقليل فأصبح وقد كثر المال يطمع في الكثير، وكان يغني لقبيلته فأصبحت قبيلته لا تجزيه، وكان شيخ القبيلة فقيرا فأصبح الخليفة وعنده القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وكانت حاجات الفنان قليلة فأصبحت بفضل الحضارة كثيرة مركبة، والشعب لا يلتفت كثيرا إلى الفنان؛ لأن فنه نوع من الترف، والترف إنما هو في قصور الخلفاء والأمراء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٨٤