تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى جاءت نهضة مصر الحديثة، فأخذ الشعر يستعيد رونقه، وكان أكثر النابغين من الشعراء في ظل الملوك والأمراء أيضا؛ فالسيد علي أبو النصر كان في رعاية البيت العلوي من عهد محمد علي (باشا) إلى عهد توفيق (باشا)، والشيخ علي الليثي كان شاعر الخديو إسماعيل والخديو توفيق ونديمهما، وولد شوقي - كما يقول هو - بباب إسماعيل، وأزهر شعره في ظل الخديو عباس الثاني. •••

وعلى الجملة، فلو أحصينا شعراء العرب، وعددنا النابغين منهم، وقرأنا تاريخ حياتهم، لوجدنا الجمهرة العظمى منهم قد نبغوا في ظل الملوك والأمراء.

وسبب هذا أن الشعر فن جميل، والفنون الجميلة إنما تنمو وتزهر في القصور؛ كالغناء والموسيقى والنحت والتصوير والخطوط؛ لأنها تعد من الأمور الكمالية، ومن الزينة والترف، وأحسن أنواع الزينة إنما مكانه اللائق به القصور؛ كاللؤلؤة الكبيرة والحجر الكريم النادر والصورة الرائعة والمصحف المخطوط خطا بديعا، فكل هذه وأمثالها لا يقومها حق تقويمها إلا الملوك والأمراء، فإليهم تهدى، وفي قصورهم تزداد روعة وجمالا.

ثم كان أن اتجه الشعر العربي أكثر ما اتجه إلى المديح، فلو أحصينا الشعر العربي ووزعناه على أبوابه لوجدنا نحو ثلثيه مديحا، والثلث الآخر تتقسمه الأبواب المختلفة الأخرى، ومن أليق بالمديح من الخلفاء والملوك والأمراء؟ إنهم أقدر على المكافأة وأسخى في العطاء، فالشاعر يبدأ يتعلم في مدح متوسطي الحال، فإذا نبغ لم يجد موضعا لشعره لائقا إلا الملوك، فقصدهم وقصر مديحه عليهم، ومن أجل هذا نرى أنواع الشعر الأخرى تنمو خارج القصور بعيدة عنها؛ كاللزوميات لأبي العلاء المعري، وشعر التصوف؛ مثل شعر عمر بن الفارض، وشعر الغزل الصرف؛ كشعر جميل والعباس بن الأحنف، وأمثال ذلك؛ لأن الشاعر فيها يغني لنفسه، ويرضي عاطفة تجيش بصدره، لا يتطلب من أجل ذلك جزاءا ولا شكورا. •••

هذه ناحية واحدة من نواحي الأدب العربي، وهي ناحية الشعر، وهناك نواح أخرى كان للملوك كبير أثر فيها أيضا؛ فالكتابة الديوانية إنما ازدهرت كذلك في حماية الملوك والأمراء؛ فعبد الحميد الكاتب أثمرت كتابته في ظل مروان بن محمد، وابن المقفع في ظل الأمير عيسى بن علي، وعمرو بن مسعدة في ظل المأمون، وابن العميد في ظل بني بويه، والقاضي الفاضل في عهد صلاح الدين، والعماد في عهد نور الدين ... إلخ.

وذلك أن الكتابة الإنشائية كانت وظيفة حكومية، فكان في العهد الأول لكل أمير كاتب يجيد الكتابة عنه، ويجتهد في تنميق أسلوبه وحسن بيانه، وبطبيعة الحال كان خير الكتاب كتاب الملوك؛ فهم يتخيرون أدق تخير، وعنهم تصدر أروع الكتب وأبلغ المقالات.

وحظ التأليف من الملوك ليس أقل من حظ الشعر والنثر؛ فالجاحظ يهدي بعض كتبه للمأمون وبعضها للفتح بن خاقان، وأبو الفرج الأصفهاني يهدي كتابه الأغاني لسيف الدولة الحمداني، وكثير من التآليف الأدبية والعلمية والدينية نراها قد أهديت في تاريخها أو في ديباجتها إلى ملك أو أمير؛ ذلك لأن كثيرا من هؤلاء الملوك والأمراء كانت لهم مشاركة علمية أو أدبية، فكانوا يقترحون على العلماء والأدباء موضوعات يؤلفون فيها، وكثير منهم كان يرى أن تقديم الكتاب إليه يخلد ذكره، ويبقي على الدهر اسمه؛ فكتاب علمي أو أدبي يؤلف باسمه ورسمه بمثابة مسجد يقيمه، أو مدرسة ينشئها، أو «سبيل» يتقرب به إلى الله.

يضاف إلى ذلك سبب آخر هام، وهو أن الثروة لم تكن موزعة على حسب المنهج الذي نراه الآن، بل كانت أغلب الثروة في يد الملوك والأمراء، والعلماء ليس لهم إلا قليل من الأوقاف ونحوها، فلم تكن هناك وزارة معارف تجري مرتبات على المدرسين ونحو ذلك، إنما كان العلماء يعيشون على القليل من مال الوقف، وعلى الكثير من عطايا الخلفاء والأمراء؛ فكان ارتباط العلماء بالأمراء أقوى، وحاجتهم إليهم أشد، فالعالم مخير بين أن يعتزل الأمراء ويعيش عيشة كفاف، أو يتطلب عيشة الغنى فعليه أن يتصل بالملوك والأمراء؛ يسامرهم ويحدثهم ويؤلف لهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٨٣