هذا إلى أن الرسالة يجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلا للنزعات الأدبية على اختلاف أنواعها، ما لم تكن النزعة مستهترة، تميط قناع الحياة، وتخرق حجاب الحشمة.
وأخيرا لك الشكر - يا أخي - على ما حوى كتابك من غيرة صادقة، وعاطفة نبيلة، وما أقرت من موضوع يستحق العناية ويدعو إلى طول التفكير.
الفصل الثاني عشر
| الأدب العربي منذ أول عصوره حتى اليوم
لو نظرنا نظرة عامة إلى الآداب المختلفة في العالم قديمها وحديثها، وجدناها كلها تخضع لبعض قوانين عامة يشترك فيها كل أدب، وقوانين خاصة ينفرد بها أدب كل أمة؛ فمثلا: من القوانين العامة أن الآداب تكاد تشترك في أنها نظم ونثر وقصص، وأن النظم يتميز بالموسيقى التي يعبر عنها بالأوزان وإن اختلفت هذه الأوزان، وأن النثر في كل أدب يأتي عقب الشعر؛ لأن الشعر تعبير عن العاطفة والخيال، والنثر مصبوغ بصبغة عقلية إلى حد ما، والعاطفة والخيال أقدم في تاريخ الإنسانية من العقل.
كما أن قوانين رقي الشعر والنثر والقصص في الأمم تكاد تكون واحدة، كذلك تكاد تشترك الآداب كلها في تاريخها وتطورها ومرورها في مراحل ثلاث:
فالمرحلة الأولى:
مرحلة القبائل، ويكون الأدب فيها مصبوغا بالصبغة القبلية، فيخضع للنظام القبلي، ويكاد الشاعر فيها يشعر بقبليته أكثر مما يشعر بفرديته، ويتغنى بالقبيلة وأعمالها أكثر مما يتغنى بشخصيته وفرديته وعمله، حتى إذا تطورت القبائل إلى أمة، وتطور شيخ القبيلة إلى حاكم، رأينا الأدب يصل إلى:
المرحلة الثانية:
فتكون الآداب في خدمة القصور والحكام، والأغنياء والولاة وأمثالهم، ويكون الأدب إذ ذاك أشبه ما يكون بالتحفة الفنية البديعة؛ تهدى أو تباع للسادة المترفين، ويكثر إذ ذاك شعر المديح والقصص حول القصور، وتكثر في الأدب المحسنات اللفظية كأنها نقوش في التحفة الفنية، ولا ينظر في هذا الطور إلى الشعوب كثيرا. ثم تأتي:
المرحلة الثالثة:
وهي مرحلة الديمقراطية، فيعنى فيها بوصف الشعوب ويتجه الأدباء نحوها، وتؤلف الروايات حول الحياة في الكوخ الحقير كما تؤلف حول الحياة في القصر الكبير، ويتجه الأدب نحو الظلم والعدل، ويبين حقوق الراعي وحقوق الرعية، وتكثر في الأدب على العموم المظاهر التي تعبر عن آمال الشعوب وآلامها.
فإذا نحن نظرنا إلى الأدب العربي في ضوء ذلك وجدناه أدبا طويل العمر، له من العمر أكثر مما للآداب الأخرى؛ كالأدب الإنجليزي والفرنسي والألماني والإيطالي، فكلها حديثة العهد إذا قيست بالأدب العربي، وعمر الأدب العربي في العصور التاريخية نحو خمسة عشر قرنا، خضع فيها لمؤثرات مختلفة وأحداث متباينة، كان فيها أدب قبائل في العصر الجاهلي يخضع لكل الظواهر القبلية، ويستجيب لها، فيعبر فيه الشعراء عن عواطفهم، ويسجلون ما يحدث لهم ولقبيلتهم، ويصفون مشاعرهم نحو نسائهم بالحب والذكرى، ومشاعرهم نحو خصومهم وأعدائهم - وهم خصوم قبيلتهم - بالهجاء، ويحرضون على القتال والأخذ بالثأر، ويصفون فيه الطبيعة حولهم من الصحراء ونباتها وحيوانها.
وإذا سار الشاعر في طريق وصفه، وعرض لما رأى فيه من جبل ووهد وسهل وحزن، وهكذا، كان الشاعر بدويا في موضوعه وصيغته وبساطة وصفه وبساطة فنه، ومن كان من الشعراء الجاهليين في مدينة أو على حواشي مدينة تأثر بذلك؛ كما نرى في شعراء الحيرة والعراق والغساسنة؛ فقد تأثروا بالمدنية الفارسية والرومانية في ألفاظهم وتشبيهاتهم.
وشعراء الجاهلية على وجه العموم متأثرون ببيئتهم الطبيعية والاجتماعية، يشتقون منها تشبيهاتهم، فيشبهون الليل بالجمل يتمطى بصلبهن والبرق بمصباح راهب أمال السليط ونحو ذلك، وأوزانهم وموسيقاهم متأثرة بوقع أقدام الإبل في الصحراء، وما يناسب ذلك من حداء، إلى غير هذه من مظاهر التأثر والتجاوب، فكانت هذه هي المرحلة الأولى للأدب العربي.