تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما جاء الإسلام غير الحياة الاجتماعية، فدعا إلى الفخر بالعمل الصالح دون الفخر بالأنساب، ودعا إلى أن الظالم يقتص منه؛ شريفا كان أو وضيعا، وقال:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، وهدم نظام القبائل بالتدريج إلى حد كبير، وغزا المدنية الفارسية والرومانية، وأخضعهما واطلع عليهما واستفاد منهما، وأصبحت الجزيرة العربية وما تبعها من فتوح دولة واحدة حكمها خليفة واحد، وانقلبت الخلافة بعد ذلك إلى ملك عضوض، فجاء الدور الثاني، وهو الدور الأستقراطي في الأدب الذي يتجه نحو الخلفاء والولاة والحكام والأغنياء، وإن تغنى فيه الفرد لنفسه أحيانا بغزل أو شكوى أو تعبير عن عاطفة، وتأثر الأدب الإسلامي؛ وخاصة النثر الفني والقصص، بما نقل إليهما عن الهند والفرس واليونان، وتطور بتطور الحضارة في موضوعاته في حديث يطول شرحه.

وفي العصور الأخيرة، انتقل الأدب العربي إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الديمقراطية، فاتجه إلى الشعوب في شعره ونثره وقصصه، وفي موضوعاته وأساليبه.

فإذا نحن نظرنا إلى الأدب العربي بجانب الآداب الأخرى وجدنا أنه ككل الآداب فيه جوانب ضعف وجوانب قوة؛ فمثلا: نجد أن الأدبين اليوناني والروماني وما تفرع عنهما من الآداب الحديثة؛ كالإنجليزية والفرنسية، أكثر تنوعا، وأكثر تفننا في نقد الحياة والنظر إليها في أشكالها المختلفة؛ الخاصة منها والعامة: أدب للملاحم وسع خيالهم - وأدب للتمثيل وسع نقدهم في السياسة العامة للحكومة والقادة والزعماء وللحياة العامة وحياة الأفراد الشعبية - وغنى في القصص لم يبلغه الأدب العربي، ولكن الأدب العربي غني من نواح أخرى.

فقد جرت عادة الأوربيين أن يقسموا الشعر إلى شعر غنائي، ويقصدون به ما يعبر به الشاعر عن عواطفه؛ وشعر ملاحم، ويقصدون به ما يصف به الشاعر أو الشعراء وقائع الحروب في قصائد طويلة؛ وشعر تمثيلي، وهو ما يكون في الروايات التمثيلية؛ فالشعر العربي غني بالنوع الأول غنى كبيرا، والكنوز التي تركها في وصف المشاعر؛ من فخر وحماسة وغزل وهجاء ورثاء ومديح، كنوز وافرة؛ وخاصة في الحب؛ فقد برع الأدب العربي فيه، ونوعه من حب عذري إلى حب شهواني، ومن حب مادي إلى حب فلسفي، ومن وصف للجمال الحسي إلى وصف للجمال المعنوي، فهذا النوع قد تفوق فيه الأدب العربي تفوقا كبيرا، وسبق غيره من الآداب الأخرى، حتى إن هذا النوع من الأدب لما ظهر في أوربا في القرون الوسطى في أسبانيا وفرنسا أخذ النقاد يبحثون عن مصدره في الأدب العربي كيف أخذوه عنه؛ شعورا منهم بأن منبع هذا النوع من الأدب هو الأدب العربي، وكذلك لما ظهرت في أوربا حركة الأدب الرومانطي، رأى كثيرون أن لهذه الحركة بالشعر العربي علاقة وثيقة.

كذلك نرى الأدب العربي غنيا غنى تاما في ناحية الحكم، فقل أن نرى أدبا يدانيه في ذلك، قد صبت فيه تجارب الأمم المختلفة من عرب وفرس وهند وروم، وصيغت هذه التجارب في شكل أمثال وحكم في الشعر والنثر على ألسنة الطيور والحيوانات.

على أنه ما تم احتكاك الشرق والغرب في العصور الحديثة أخذ الأدب العربي يستعرض مواضع قوته وضعفه، فلما أحس بحاجته إلى القصص؛ سواء منه ما كان تمثيليا أو غير تمثيلي، أخذ يستكمل نقصه بما يترجم أولا وألف ثانيا، وهو في سبيل استكمال نواحيه كلها مع احتفاظه بميزاته القديمة، كما أخذ يساير الأمم العربية في التعبير عن آلامها وآمالها، ويدعو إلى الإصلاح الاجتماعي في أشكاله المختلفة، ولكن أمامه عقبة كبيرة يجب أن يتغلب عليها، وهو أنه لا يغذي إلا طبقة المثقفين، أما السواد الأعظم من الشعوب فيعيش على قليل من الأزجال، وتافه من الغناء، وبقايا من «الحواديت»، ولا بد للأدب الكامل أن يغذي الشعب كله؛ خاصته وعامته، بحسب عقليته البسيطة أو الراقية؛ حتى لا تفلت من يده أي طبقة من طبقاته، أما إن هو اقتصر على المثقفين وحدهم لم يكن قد قام إلا ببعض واجبه، وحاجة الأمة إلى الغذاء الأدبي - كما أسلفنا - في مثل حاجتها إلى الغذاء المادي، لا يصح أن يستغني عنه أحد ولا يعيش بدونه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٨١