تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا معك في هذا كله، ولكن لست معك في إنكارك: أن يكون الفن للفن، والأدب للأدب، ولست معك في أن تطلب أن يكون الأدب للحياة؛ فليس من شك في أن القطعة متى استوفت عناصرها الأدبية كانت أدبا، مهما كان موضوعها الأخلاقي، وليس أحد ينكر أن قصائد أبي نواس الفاجرة الداعرة أدب، كما لا ينكر أحد أن الصورة العارية إذا أجيد تصويرها فن جميل، وإن لم ترض عنها الأخلاق، فالأدب للأدب والفن للفن، ولكن هذا لا يمنع أن تكون سلطة المصلحين فوق سلطة الأدباء؛ فإذا رأى المصلحون أن ضربا من الأدب يحل الأخلاق ويفك عرى المجتمع، حاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وإذا رأوا أن ضربا من الأدب في الأمة ضعيف ويجب أن يقوى، طلبوا الإكثار منه بشتى الوسائل، وشجعوا عليه، ومهدوا له السبل، وهذا هو موقفنا بالضبط؛ فقد كثر فينا ما نسميه بالأدب المائع، وهو من غير شك أدب، وقد يكون أدبا راقيا، ولكن يصح أن نخضعه لنظر المصلح، فإذا كان المصلح الاجتماعي قويا ضرب على هذا النمط من الأدب، ولو إلى زمن محدود؛ حتى تستكمل الأمة قوتها ورجولتها.

ومثل الأدب في ذلك مثل العلم؛ فالأدب للأدب كالعلم للعلم؛ فالعلم يبحث كما يشاء، فإذا أردت أن تستخدم العلم في أشياء عملية؛ كصنع أسلحة وغازات وما إلى ذلك، خضعت للمصلحة والإنسانية، وسن لها قوانين، وهذا لم يطعن في أن يكون العلم للعلم، فإن أردت بقولك إن الأدب لا يكون أدبا إلا إذا خدم الحياة، فأنا مخالفك، وإن أردت أن المصلحين والدعاة يجب أن يخضعوا الأدب لأغراض الحياة الصحيحة، فإني موافقك.

وبعد، فقد غلوت يا أخي في رأيك، فلم ترد أن يكون في الأدب حب إلا من نوع خاص، وأردت من الأدب أن يكون قويا، وقويا فقط، وبعبارة أخرى: تريد أن تكون حياة الأدباء حياة حربية ليس فيها إلا القوة وما يبعث على القوة، ليس فيها زهرة جميلة ولا غزل ظريف، وأنا أخشى أن الأدب باقتصاره على القوة يفقد القوة؛ فإن للنفوس سآمة، ويحسن أن يكون بجانب صوت المدفع والقنابل صوت العود والقانون.

ولقد كنت أكتب في هذا الموضوع حتى إذا وصلت إلى هذا الموضع شعرت بملل، فما هو إلا أن سمعت نغمة رقيقة من بيانو، فأصغيت إليها حتى استكملتها، فعادت نفسي إلى نشاطها؛ ألا يكون في هذا مثل صالح للحياة الأدبية؟ فجد وهزل، وتغن بالحرية، ونعي على الاستبداد، وتغزل في زهرة وفكاهة حلوة! هذا - يا أخي - أصلح، حتى من الناحية الجدية؛ فمن لم يله أبدا قصرت حياة جده وتقبضت نفسه، ولم يتحمل طويلا مرارة العمل، وإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

أحب أن تكون الحياة الأدبية كفرقة الموسيقى؛ لا طبلا فقط، ولا نايا فقط؛ بل هما وغيرهما، وعيب حياتنا الأدبية الحاضرة أنها رخوة فقط، فيجب أن يضاف إليها نغمات القوة، لا أن تحل النغمات القوية وحدها محل النغمات الرقيقة، فإنا إن فعلنا ذلك كان الأدب أبعث على الحياة، وأحفظ للقوة، فطمئن نفسك، ولا تأس على شاعر طال ليله، وأرق جفنه حبيب أعرض عنه، وابتسامة احتجب عنه نورها، فمن يدرينا لعل الحب كله من واد واحد، فمن أحب فتاته كان أسرع استعدادا لأن يحب أمته، ويحب ربه، ومن تحجر قلبه لم يبك على شيء.

وبعد، فموقف «الرسالة» كما أفهم من مبادئها يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي، وحث قادته على أن يطرقوا من الأبواب ما نحن في أمس الحاجة إليه؛ حتى يكون أدبنا صورة تامة لنا، وحتى يكون غذاء كافيا لمختلف عواطفنا، يجب أن يكون موقفها - فوق الموقف الأدبي - موقف المصلح؛ فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول، المضعف للخلق والمفسد للرجولة، ولكن يجب كذلك أن تفسح صدرها لنوع من الأدب، لا هو بالقوي الذي تتطلب الاقتصار عليه، ولا هو بالضعيف المائع، هو أدب الحب العف، والفكاهة الحلوة البريئة، والهزل يشف عن جد، والمزح مبطنا بعظة، ونحو ذلك، ففي التزام الجد خروج إلى الجفاء، وانحدار إلى الجمود.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٧٩