تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الموضوعات وأمثالها ليست أدبا خالصا، ولا علما خالصا، وإنما هي علم أدبي أو أدب علمي؛ هي أدب بمقدار ما تثير من عاطفة، وهي علم بمقدار ما فيها من حقائق.

العلم لغة العقل، والأدب لغة العاطفة، ولكن لا بد في هذه الحياة أن يلطف العلم بالأدب، والأدب بالعلم؛ فالعقل إذا جمح استخف بالشعور، وجعل الحياة ثمنا للعلم، وهو إذا مزج بشيء من الأدب مس الحياة ورفه على الناس، والعاطفة إذا شردت كانت ثورانا وهياجا؛ ألا ترى التعجب يزيد فيكون نباحا، والعشق يهيم فيكون جنونا!

الفصل الحادي عشر

| جواب عن سؤال1

لك الحق كل الحق - يا أخي - أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء الأدب العربي طالبين أن يلتفتوا إلى الأدب القومي، ويكثروا القول فيه؛ فالعالم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبر عن هذه الآلام والآمال، بأسلوبه الرشيق، وعواطفه القوية، وخياله الرائع، وإذ ذاك يجد الناس غذاءهم فيما يقرءون، ولذتهم ومتعتهم فيما يسمعون وينشدون، والناس في كل عصر يتطلبون من الأديب أن يكون موسيقاهم التي تناسب عاطفتهم، فإن كانوا فرحين مرحين كانت الموسيقى فرحة مرحة، وإن كانوا باكين محزونين كانت الموسيقى حزينة باكية، ومن السماجة أن توقع الموسيقى نغمة فرحة في مأتم، أو نغمة باكية في عرس، وقد كان الناس يقصدون إلى الشعراء يشرحون إليهم عواطفهم، ويطلبون منهم شعرا يناسبها ويرويها.

كان بيت بشار في البصرة مقصدا لهذا النوع من الناس، يذهب إليه الغزل الذي تجيش في صدره عاطفة الحب ولا يستطيع أن يعبر عنها، ليجد بشار من فنه ما يعبر عما في نفسه، وتذهب إليه النائحات لينشدهن شعرا يستنزف الدمع ويبعث الشجا والشجن.

وكل عصر له مطالبه، وكل أمة لها مواقفها وعواطفها، ولا خير في الأدب إذا لم يصف الحياة، ويغذ العواطف، ويجد الناس في كل موقف يقفونه قولا أدبيا قويا يشرحه، وشعرا جميلا يعبر عنه.

والعالم العربي الآن له عواطف قومية جديدة لم تكن لديه قبل سنين، هي نتاج التيار الحديث الذي غمر أوربا وسار منها إلى الشرق، فملأ مشاعرها ألما مما هي فيه، كما ملأها أملا في حياة خير من الحياة التافهة التي يحيونها، ثم التفتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافيا؛ ليس فيه شعر يتغنى بالحرية كما نود، ولا بالقومية كما نحب، وإنما هي أبيات مبعثرة مجملة، قيلت لوصف مشاعر غير مشاعرنا، وفي مواقف غير مواقفنا.

وتلفتنا إلى الأدب العربي الحديث فوجدناه ناقصا كأخيه، لم يسد الفراغ، ولم يكمل النقص، قد أفرط القدماء في الغزل فأفرط المحدثون فيه، وقصر القدماء في وصف المناحي الاجتماعية والنزعات القومية فقصر المحدثون فيه، وأصبح ناشئنا لا يجد الغذاء الكافي في القديم ولا في الجديد، فلك الحق أن تطلب من الزعماء، وأن تطلب من الرسالة أن تدعو الكتاب والشعراء أن يلتفتوا إلى وجوه النقص فيكملوها، حتى إذا احتاج الشباب إلى نشيد أو أناشيد وجدها، وإذا وقف موقفا يتطلب قصيدة في معنى من معاني القومية أو الحرية انطلق بها لسانه، وإذا طرب لمنظر طبيعي في بلاده وجد القصائد قد قيلت فيه واستوفت محاسنه، وهكذا.

ولك أن تطلب من كتاب الروايات أن يبحثوا عن نواحي الضعف في الحياة الاجتماعية الشرقية، فيجلوها ويعالجوها، وأن يكون لهم نظر صادق في تعرف نفسيات الأفراد والجماعات فيحللوها، وأن يتجه الكتاب الاجتماعيون فيدرسوا أمراض قومهم، ويستخدموا الأدب في الخطب والمقالات تثير مشاعر الناس وتهيجهم ليتخلوا عن رذيلة، ويستكملوا فضيلة، ويعالجوا نقصا، وينشدوا كمالا.

لك الحق أن تنعي على الأدباء أن أكثرهم في الشرق لم يتجه هذا الاتجاه إلا قليلا، وأنهم بين أن ينظموا في الأغراض القديمة ولا يحسنوها إحسان القدماء وبين أن ينقلوا من الأدب الغربي ما فقد روحه، أو لم يتناسب وروحنا، وإلا فأين أدبنا القومي؟ وأين التغني بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟ لا شيء من ذلك إلا القليل الذي لا يتناسب ونهضتنا الحديثة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٧٨