وليس الأدب وحده هو لغة العاطفة، فقد تفوقه في هذا الموسيقى؛ فهي قادرة على أن تضحك وتبكي، وتسر وتحزن، وتسر سرورا حزينا، وتحزن حزنا سارا، وتؤلم ألما لذيذا، وتلذ لذة أليمة، وتثير الشجاعة حتى لتدفع إلى الموت، وتنفث الخمول حتى لتدعو إلى النوم، تقدر الموسيقى أن تفعل كل ذلك في العاطفة، وهي أقدر من الأدب؛ لأن الأدب يخاطب العاطفة بواسطة الكلام ومن طريقه، أما الموسيقى فتخاطب العاطفة وجها لوجه من غير وسيط، تؤثر فيك أدوار العود والقانون والبيانو، ولو لم تصحب بكلام، ولو لم تفهم أي معنى منها، بل قد تكره أن تفهم إلا النغم وحلاوته، والتوقيع وعذوبته.
أما الأدب، فلما اعتمد على الكلام - والكلام إنما يفهم بالفعل - كان لا بد للقطعة الأدبية من قدر من العقل ومن المعاني تستثار بها العاطفة، وتهيج منها المشاعر.
وارتباط العاطفة بالأدب هو الذي منح الأدب - لا العلم - الخلود؛ فالنتاج الأدبي خالد أبدي لا النتاج العلمي؛ فقصائد امرئ القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبي نواس والمتنبي كلها خالدة، تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان في عصرهم، فإن احتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعاني، وهو بعد يشعر بشعورهم ويسر كسرورهم، ثم القطعة الأدبية لا تمل؛ تقرؤها ثم تقرؤها فتسر منها في الثانية سرورك منها في الأولى، بل تحفظها ثم تتعشق تلاوتها وتكرارها.
وليس ذلك هو الشأن في العلم؛ فحقائق العلوم خالدة، ولكن منتجات العلوم غير خالدة، فما في كتاب إقليدس من نظريات هندسية خالدة، ولكن الكتاب لا يقرؤه الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة، وكل كتاب في الهندسة يموت بمرور سنين عليه، ولا تعود له قيمة إلا القيمة التاريخية مهما حوى من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وإن كانت الحقائق التي فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضي على الطبعة الأولى بالفناء إذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع إلى ما ألف من خمسين عاما إلا إذا أراد أن يؤرخ العلم، ولكن طالب الأدب يرجع إلى ديوان المتنبي الآن ليتذوق أدبه ويلذ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظت بعض قصائده، ولا أزال أستمتع بترديدها، ولكن إن أنت قرأت كتابا في الرياضة، وفهمت ما فيه، لا تستطيع بحال أن تعيد قراءته إلا على مضض.
والسبب في هذا - على ما يظهر - أن عواطف الناس لم تتقدم كما تقدمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلا فترى أن الإحسان إلى الفقير بإعطائه درهما ليس خيرا، ولكن خيرا منه بناء مستشفى، وإنشاء ملجأ، ونحو ذلك، ولكن العاطفة هي هي في أساسها، وقد ترقى عاطفة الحنو الأبوي فلا ترى مانعا من دفع الأولاد إلى حرب الحياة وجوب الأقطار، ولكن العاطفة في أساسها واحدة، أما العقل فوثاب دائما راق أبدا، في الشكل وفي الأساس؛ يرى حلالا اليوم ما كان حراما بالأمس، ويرى حقا الآن ما كان باطلا من قبل، ويخترع كل يوم جديدا، ويصوغ حياته وفق الجديد، ومن أجل ذلك لا يلذ له أن يقرأ عقل السابقين إلا كما يقرأ تاريخهم، ولكن عواطفه هي هي ركزت وثبتت فتلذذ اليوم بما يمثل عواطف الأقدمين وإن كرت عليها الدهور وتوالت العصور.
وليس الأمر بهذا القدر من السهولة في الفصل بين الأدب والعلم، فهناك أنواع يصعب الفصل فيها حتى على الخاصة، أأدب هي أم علم؛ هناك أدب «معلم»، وهناك علم «مؤدب»، هناك تاريخ صيغ صياغة أدبية فلا يكتفي بسرد الحقائق وتعيين زمن وقوعها، وإنما يضع ذلك في قالب يثير شعورك للاحتذاء والقدرة، أو للحب أو الكراهة، وهناك فلسفة صيغت في قالب قصة، وهناك طبيعة وكيمياء صاغتها يد صناع ماهرة في الفن تحمل قلم أديب، فأخرجت منها موضوعات شيقة تثير عاطفة الجمال، وتستخرج الإعجاب بما في هذا العالم من إبداع وفن.